محمد جمال الدين القاسمي
459
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الزعزعان والزعزع . فإذا جاءت بالحصباء فهي الحاصبة ، فإذا هبت من الأرض نحو السماء كالعمود فهي الإعصار ويقال لها زوبعة أيضا ، فإذا هبت بالغبرة فهي الهبوة ، فإذا كانت باردة فهي الصرصر ، فإذا كان مع بردها ندى فهي البليل ، فإذا كانت حارة فهي الحرور والسّموم ، فإذا لم تلقح شجرا ولم تحمل مطرا فهي العقيم . ومما يذكر منها بلفظ الجمع : الأعاصير وهي التي تهيج بالغبار ، واللواقع التي تلقح الأشجار ، والمعصرات التي تأتي بالأمطار ، والمبشرات التي تأتي بالسحاب والغيث . وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أي : فلا يهوي إلى جهة السفل مع ثقله يحمله بخار الماء - كما تهوي بقية الأجرام العالية - حيث لم يكن لها ممسك محسوس ، ولا يعلو ، ولا ينقشع ؛ مع أن الطبع يقتضي أحد الثلاثة : فالكثيف يقتضي النزول ، واللطيف يقتضي العلو ، والمتوسط يقتضي الانقشاع . ذكره البقاعي . لطيفتان : الأولى : قال الثعالبي : أول ما ينشأ السحاب فهو النّشء ، فإذا انسحب في الهواء فهو السحاب ، فإذا تغيرت له السماء فهو الغمام ، فإذا أظلّ فهو العارض ، فإذا ارتفع وحمل الماء وكثف وأطبق فهو العماء ، فإذا عنّ فهو العنان ، فإذا كان أبيض فهو المزن . الثانية : قال الراغب : التسخير القهر على الفعل . وهو أبلغ من الإكراه . فإنه حمل الغير على الفعل بلا إرادة منه على وجه ، كحمل الرحى على الطحن . وقوله تعالى : لَآياتٍ : أي عظيمة كثيرة ، فالتنكير للتفخيم كمّا وكيفا لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي يتفكرون فيها وينظرون إليها بعين العقول ، فيستدلون على قدرته ، سبحانه ، القاهرة ، وحكمته الباهرة ، ورحمته الواسعة المقتضية لاختصاص الألوهية به جلّ شأنه . قال البقاعي : وسبب تكثير الأدلة أنّ عقول الناس متفاوتة . فجعل سبحانه العالم - وهو الممكنات الموجودة ، وهي جملة ما سواه ، الدالّة على وجوده وفعله بالاختيار - على قسمين : قسم من شأنه أن يدرك بالحواس الظاهرة ، ويسمى في عرف أهل الشرع : الشهادة والخلق والملك . وقسم لا يدرك بالحواس الظاهرة ويسمى : الغيب والأمر والملكوت . والأول يدركه عامة الناس ، والثاني يدركه أولو الألباب الذين عقولهم خالصة عن الوهم والوساوس . فاللّه تعالى - بكمال عنايته ورأفته ورحمته - جعل العالم بقسميه محتويا على جمل وتفاصيل من وجوه