محمد جمال الدين القاسمي

460

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

متعدّدة ، وطرق متكثرة ، تعجز القوى البشرية . عن ضبطها ، يستدلّ بها على وحدانيته ، بعضها أوضح من بعض ، ليشترك الكل في المعرفة ، فيحصل لكلّ بقدر ما هيّئ له ، اللهم إلا أن يكون ممن طبع على قلبه ، فذلك - والعياذ باللّه - هو الشقيّ انتهى . قال المهايمي : وكيف ينكرون وجود اللّه ، وتوحيده ، ورحمانيته ، ورحيميته ، وقد دلّ عليها دلائل العلويات والسفليات وعوارضهما والمتوسطات ؟ ثم قال : أما دلالة السماء والأرض على وجود الإله فلأنهما حادثان . لأن لهما أجزاء يفتقران إليها ، فلا بدّ لها من محدث ليس بعض أجزائهما ، لأنه دخله التركيب الحادث ، والقديم لا يكون محلا للحوادث ، والمحدث لا بدّ أن يكون قديما قطعا للتسلسل . وعلى التوحيد ، فلأن إله السماوات لو كان غير إله الأرض لم يرتبط منافع أحدهما بالآخر . وعلى الرحمتين لأنه عزّ وجل جعل في الأرض موادّ قابلة للصور المختلفة وأفاضها واحدة بعد أخرى بتحريك السماوات . وأما دلالة اختلاف الليل والنهار على وجود الإله فلحدوثهما من حركات السماوات ولا بدّ لها من محرك ، فإن كان حادثا فلا بدّ له من محدث . وعلى التوحيد ، فلأن إله الليل لو كان غير إله النهار لأمكن كل واحد أن يأتي بما هو له في وقت إتيان الآخر بما هو له ، فيلزم اجتماعهما وهو محال . فإن امتنع لزم عجز أحدهما أو كليهما . وعلى الرحمتين ، فلأن الاعتدال الذي به انتظام أمر الحيوانات إنما يكون من تعاقبهما ، إذ دوام الليل مبرّد للعالم في الغاية ، ودوام النهار مسخّن له في الغاية . وأما دلالة الفلك على وجود الإله ، فلأنها أثقل من الماء فحقّها الرسوب فيها ، فإمساكها فوق الماء من اللّه . ودخول الهواء فيها - وإن كان من الأسباب - فلا يتم عند امتلاء الفلك بالأمتعة الكثيرة ، إذ يقلّ الهواء جدا فيضعف أثره في إمساك هذا الثقيل جدا ، فلا ينبغي أن ينسب إلّا إلى اللّه تعالى من أوّل الأمر ؛ وعلى التوحيد ، فلأن إله الفلك لو كان غير إله البحر لربما منع أحدهما الآخر من التصرف في ملكه ، وهو يفضي إلى اختلال نظام العالم لاختلاف المنافع المنوطة بالفلك ؛ وعلى الرحمتين فلأنه رحم المسافرين بالتجارات ، والمسافر إليهم بالأمتعة التي يحتاجون إليها . وأما دلالة إنزال الماء على وجود الإله ، فلأنه أثقل من الهواء ، فوجوده في مركزه لا يكون إلّا من اللّه . وعلى التوحيد ، فلأنّ إله الماء لو كان غير إله الهواء ، لمنع من التصرف في ملكه . وعلى الرحمتين ، فلأنّه أحيى به الأرض معاشا للحيوانات ، وبثّ به الدواب تكميلا لمنافع الإنسان . وأما دلالة تصريف الرياح على وجود الإله ، فلأنها حادثة تحدث هذه مرّة وهذه أخرى ، وقد يعدم الكلّ ، فلا بدّ من