محمد جمال الدين القاسمي

451

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

بهما في الإسلام . من أجل أن اللّه تعالى أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا ، حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت . وفي رواية معمر عن الزهريّ : إنا كنّا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة ، أخرجه البخاريّ تعليقا ، ووصله أحمد وغيره . و أخرج مسلم « 1 » في رواية يونس عن الزهري عن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا ، هم وغسّان ، يهلّون لمناة . فتحرّجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة ، وكان ذلك سنّة في آبائهم : من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة . وإنهم سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك حين أسلموا . فأنزل اللّه عز وجل في ذلك : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ . وروي الفاكهيّ عن الزهريّ : أن عمرو بن لحيّ نصب مناة على ساحل البحر مما يلي قديد . فكانت الأزد وغسان يحجونها ويعظمونها ، إذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى أتوا مناة فأهلّوا لها . فمن أهلّ لها لم يطف بين الصفا والمروة . قال : وكانت مناة للأوس والخزرج والأزد من غسان ومن دان دينهم من أهل يثرب . وروى النسائيّ بإسناد قويّ عن زيد بن حارثة « 2 » قال : كان على الصفا والمروة صنمان من نحاس يقال لهما « إساف ونائلة » كان المشركون إذا طافوا تمسّحوا بهما . . . الحديث . وروى الطبراني وابن أبي حاتم في التفسير بإسناد حسن من حديث ابن عباس قال : قالت الأنصار : إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية . فأنزل اللّه عزّ وجلّ إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ . . . الآية . وروى الفاكهيّ وإسماعيل القاضي في « الأحكام » بإسناد صحيح عن الشعبيّ قال : كان صنم بالصفا يدعى « إساف » ، ووثن بالمروة يدعى « نائلة » ، فكان أهل الجاهلية يسعون بينهما . فلما جاء الإسلام رمى بهما ؛ وقالوا : إنما كان ذلك يصنعه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم ، فأمسكوا عن السعي بينهما ، قال : فأنزل اللّه تعالى : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ . . . الآية . وقد استفيد من مجموع هذه الروايات أنه تحرّج طوائف من السعي بين الصفا

--> ( 1 ) أخرجه مسلم بنصه في : الحج ، حديث 263 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في الطهارة .