محمد جمال الدين القاسمي

452

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

والمروة لأسباب متعددة فنزلت في الكلّ . واللّه أعلم . وجواب عائشة ، رضي اللّه عنها ، لعروة هو من دقيق علمها وفهمها الثاقب وكبير معرفتها بدقائق الألفاظ . لأنّ الآية الكريمة إنما دلّ لفظها على رفع الجناح عمّن يطوف بهما ، وليس فيه دلالة على عدم وجوب السعي ولا على وجوبه . وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ، أي : من فعل خيرا فإنّ اللّه يشكره عليه ويثيبه به . ومعنى ( تطوّع ) أتى بما في طوعه أو بالطاعة ، وإطلاقه على ما لا يجب عرف فقهيّ لا لغويّ . و ( الشكر ) من اللّه تعالى المجازاة والثناء الجميل . قال الراغب : الشكر ، كما يكون بالقول ، يكون بالفعل ، وعلى ذلك قوله تعالى : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [ سبأ : 13 ] ؛ قال : وليس شكر الرفيع للوضيع إلّا الإفضال عليه وقبول حمد منه . تنبيهات : الأول : تمسّك بعضهم بقوله تعالى : وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً على أنّ السعي سنّة ، وأن من تركه لا شيء عليه . فإن كان مأخذه منها : إنّ التطوع التبرّع بما لا يلزم فقد قدّمنا أنه عرف فقهيّ لا لغويّ ، فلا حجّة فيه . وإن كان نفي الجناح ، فقد علمت المراد منه . وممن ذهب إلى أنه سنّة ، لا يجبر بتركه شيء ، أنس فيما نقله ابن المنذر وعطاء . نقله ابن حجر في ( الفتح ) . وقال الرازيّ : روي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء ، أنّ من تركه فلا شيء عليه . وأما حديث « 1 » : اسعوا فإنّ اللّه كتب عليكم السعي رواه أحمد وغيره ، ففي إسناده عبد اللّه بن المؤمل ، وفيه ضعف . ومن ثمّ قال ابن المنذر : إن ثبت فهو حجّة في الوجوب . ذكره الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) . الثاني : صحّ أنّه « 2 » صلّى اللّه عليه وسلّم طاف بين الصفا والمروة سبعا ، رواه الشيخان وغيرهما

--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند ، جزء سادس صفحة 421 . ونصه : عن حبيبة بنت أبي تجزئة قالت : رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يطوف بين الصفا والمروة ، والناس بين يديه . وهو وراءهم وهو يسعى . حتى أرى ركبتيه من شدة السعي ، يدور به إزاره ، وهو يقول « اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي » . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الصلاة ، باب قول الله ، واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى . ونصه : عن عمرو