محمد جمال الدين القاسمي

448

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ ، وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [ البقرة : 155 ] ، لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً [ آل عمران : 186 ] . كالّذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم وتغربوا عن أوطانهم . وكثر عناهم . واشتدّ بلاهم ، وتكاثر أعداهم . فغلبوا في بعض المواطن ، وقتل منهم بأحد « 1 » وبئر معونة « 2 » من قتل . وشجّ وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وكسرت رباعيته . وهشمت البيضة على رأسه . وقتل أعزاؤه ومثّل بهم . فشمتت أعداؤه واغتم أولياؤه . وابتلوا يوم الخندق « 3 » . وزلزلوا زلزالا شديدا . وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر . وكانوا في خوف دائم وعرى لازم . وفقر مدقع . حتى شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع . ولم يشبع سيد الأولين والآخرين من خبز برّ في يوم مرتين . وأوذي بأنواع الأذية حتى قذفوا أحب « 4 » أهله إليه . ثم ابتلي في آخر الأمر بمسيلمة « 5 » وطليحة والعنسي « 6 » . ولقي هو وأصحابه في جيش العسرة « 7 » ما لقوه . ومات ودرعه « 8 » عند يهوديّ على آصع من شعير . ولم تزل الأنبياء والصالحون يتعهدون بالبلاء الوقت بالوقت ( يبتلى الرجل « 9 » على قدر دينه فإن كان صلبا في دينه شدد في بلائه . ولقد كان أحدهم يوضع « 10 » المنشار على مفرقه فلا يصده ذلك عن دينه ) . وقال عليه الصلاة والسلام . « مثل

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في المغازي ، 17 - باب غزوة أحد ، إلى 26 - باب من قتل من المسلمين يوم أحد . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في المغازي ، 28 - باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة . . . إلخ . ( 3 ) أخرجه البخاريّ في المغازي ، 29 - باب غزوة الخندق ، وهي الأحزاب . ( 4 ) أخرجه البخاريّ في المغازي ، 34 - باب حديث الإفك . ( 5 ) أخرجه البخاريّ في المغازي ، 70 - باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال ، وفيه قدوم مسيلمة الكذاب ، و 71 - باب قصة الأسود العنسي . ( 6 ) أخرجه البخاريّ في المغازي ، 71 - باب قصة الأسود العنسي . ( 7 ) أخرجه البخاريّ في المغازي ، 71 - باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة . ( 8 ) أخرجه البخاريّ في : الجهاد ، 89 - باب ما قيل في درع النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ودرعه مرهونة عند يهوديّ بثلاثين صاعا من شعير . ( 9 ) أخرجه الترمذيّ في : الزهد ، 57 - باب ما جاء في الصبر على البلاء . عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : قلت يا رسول اللّه ! أي الناس أشد بلاء ؟ قال : الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل . فيبتلى الرجل على حسب دينه . فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه . وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه . فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ، ما عليه من خطيئة . ( 10 ) أخرجه مسلم في قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام ، في الزهد ، حديث رقم 73 .