محمد جمال الدين القاسمي

449

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

المؤمن « 1 » مثل الزرع لا تزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء » . و قال عليه الصلاة والسلام ( مثل المؤمن « 2 » كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح ، تصرعها مرة وتعدلها مرة حتى تهيج ) فحال الشدة والبلوى مقبلة بالعبد إلى اللّه عز وجل . وحال العافية والنعماء صارفة للعبد عن الله تعالى وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ [ يونس : 12 ] ، فلأجل ذلك تقللوا في المآكل والمشارب والمناكح والمجالس والمراكب وغير ذلك . ليكونوا على حالة توجب لهم الرجوع إلى الله تعالى عز وجل والإقبال عليه . السابعة عشرة : الرضا الموجب لرضوان الله تعالى . فإن المصائب تنزل بالبرّ والفاجر . فمن سخطها فله السخط وخسران الدنيا والآخرة ، ومن رضيها فله الرضا . ولرضا أفضل من الجنة وما فيها . لقوله تعالى : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] ، أي من جنات عدن ومساكنها الطيبة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 158 ] إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 ) قوله تعالى : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ، الصَّفا وَالْمَرْوَةَ : علمان لجبلين بمكة . ومعنى كونهما من شعائر اللّه : من أعلام مناسكه ومتعبّداته . قال الرازيّ : كل شيء جعل علما من أعلام طاعة اللّه ، فهو من شعائر اللّه . قال اللّه تعالى : وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [ الحج : 36 ] ، أي : علامة للقربة . وقال ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ [ الحج : 32 ] ، وشعائر الحج معالم نسكه . ومنه المشعر الحرام . ومنه إشعار السنام - وهو أن يعلم بالمدية - فيكون ذلك علما على إحرام صاحبها ، وعلى أنه قد جعله هديا لبيت اللّه . و ( الشعائر ) جمع شعيرة وهي

--> ( 1 ) أخرجه الترمذيّ في : الأدب ، 79 - باب ما جاء في مثل المؤمن القارئ للقرآن ، وغير القارئ : عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : مثل المؤمن كمثل الزرع ، لا تزال الرياح تفيئه ، ولا يزال المؤمن يصيبه بلاء . ومثل المنافق مثل شجرة الأرز لا تهتز حتى تستحصد . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : التوحيد ، 31 - باب في المشيئة والإرادة . عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : مثل المؤمن كمثل خامة الزرع ، يفيء ورقه من حيث أتتها الريح تكفئها . فإذا سكنت اعتدلت . وكذلك المؤمن يكفّأ بالبلاء . ومثل الكافر كمثل الأرزة . صمّاء معتدلة ، حتى يقصمها اللّه ، إذا شاء .