محمد جمال الدين القاسمي
427
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
إليها . لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة . إنما هو عن مكابرة وعناد . مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق . وقوله تعالى : وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ هذا حسم لأطماعهم في العود إليها . أو للمقابلة . يعني ما هم بتاركي باطلهم وما أنت بتارك حقك . وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ فلا اتفاق بين فريقيهم ، مع كون الكل من بني إسرائيل . قال الزمخشريّ : أخبر تعالى عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه . فالمحق منهم لا يزلّ عن مذهبه لتمسكه بالبرهان . والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في عناده . وفيه إراحة للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من التطلع إلى هدى بعضهم . فوائد : الأولى : قال الراغب : إن قيل كيف أعلم بأنهم لا يتبعون قبلته وقد آمن منهم فريق ؟ قيل : قال بعضهم : إن هذا حكم على الكل دون الأبعاض . وهذا صحيح . بدلالة أنك لو قلت : ما آمنوا ولكن آمن بعضهم ، لم يكن منافيا . وقيل : عني به أقوام مخصوصون . الثانية : قال الراغب : في قوله تعالى : وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ إشارة إلى أن من عرف الله حق معرفته ، فمن المحال أن يرتد . ولذا قيل : ما رجع من رجع إلا من الطريق : أي ما أخل بالإيمان إلا من لم يصل إليه حق الوصول . إن قيل : فقد يوجد من يحصل له معرفة الله ثم يرتدّ ( قيل ) إن الذي يقدّر أنه معرفة ، هو ظن متصور بصورة العلم . فأما أن يحصل له العلم الحقيقيّ ثم يعقبه الارتداد - فبعيد . ولم يعن بهذه المعرفة ما جعله الله تعالى للإنسان بالفطنة . فإن تلك كشررة تخمد إذا لم تتوقد . الثالثة : قال الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى ، وفي بدائع الفوائد : قبلة أهل الكتاب ليست بوحي وتوقيف من الله . بل بمشورة واجتهاد منهم . أما النصارى فلا ريب أن الله لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال المشرق . وهم يقرّون بأن قبلة المسيح قبلة بني إسرائيل . وهي الصخرة ، وإنما وضع لهم أشياخهم هذه القبلة . فهم مع اليهود ، متفقون على أن الله لم يشرع استقبال بيت المقدس على رسوله أبدا . والمسلمون شاهدون عليهم بذلك الأمر . وأما اليهود فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة ، البتة . وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلّون إليه من حيث خرجوا . فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلّوا إليه . فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة .