محمد جمال الدين القاسمي

428

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقوله وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله : وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ كلام وارد على سبيل الفرض والتقدير . بمعنى : ولئن اتبعتهم ، مثلا ، بعد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة الأمر إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي المرتكبين الظلم الفاحش . وفي ذلك لطف للسامعين وزيادة تحذير واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد إنارته ، ويتبع الهوى . وتهييج وإلهاب للثبات على الحق . أفاده الزمخشريّ . تنبيهات : الأول : قال الراغب : حذر تعالى نبيه من اتباع أهوائهم . ونبه أن اتباع الهوى بعد التحقيق بالعلم يدخل متحريه في جملة الظلمة . وقد أكثر الله تحذيره من الجنوح إلى الهوى حتى كرر ذلك في عدة مواضع . وقول من قال : الخطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمعنيّ به الأمة ، فلا معنى لتخصصه . فإن الله تعالى يحذر نبيه من اتباع الهوى أكثر مما يحذر غيره . فذو المنزلة الرفيعة إلى تحذير الإنذار عليه أحوج . حفظا لمنزلته وصيانة لمكانته . وهو كلام نفيس جدا . ( الثاني ) في الآية تنويه بشأن العلم . حيث سمى أمر النبوات والدلائل والمعجزات باسم العلم . فذلك ينبّه على أن العلم أعظم المخلوقات شرفا ومرتبة . ( الثالث ) دلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم . لأن قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يدل على ذلك . ذكره الرازيّ . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 146 ] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ أي يعرفون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معرفة لا امتراء فيها ، كما لا يمترون في معرفة أولادهم من بين أولادهم الناس . وهذه المعرفة مستفادة من الكتاب . كما أخبر تعالى عن نعته فيه بقوله : يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [ الأعراف : 157 ] ، يعني يعرفونه بالأوصاف المذكورة في التوراة والإنجيل بأنه هو النبيّ الموعود بحيث لا يلتبس عليهم . كما يعرفون أبناءهم ، ولا تلتبس أشخاصهم بغيرهم . فهو تشبيه للمعرفة العقلية الحاصلة من مطالعة الكتب السماوية ، بالمعرفة الحسيّة في أن كل منهما يقينيّ ، لا اشتباه فيه .