محمد جمال الدين القاسمي
393
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
عدل إلى هذا الأسلوب الحكيم دون ذاك ، ودون أن يقال مثلا : واتخذوا منه مصلى - لوجوه : ( أحدها ) التنويه بأمر الصلاة فيه والتعظيم لشأنها حيث أفرد ، للعناية بها ، جملة على حدة . ( وثانيها ) التذكير بأنه مقام الأب الأكبر للأنبياء كافة . وما كان مقامه فجدير أن يحترم ويعظم . ( وثالثها ) التنصيص على أن هذا الاتخاذ بأمر ربانيّ لا بتشريع بشر ، تمهيدا للأمر باستقباله ، وإلزاما لمن جادل فيه ، وهم اليهود . وقد روى الشيخان وغيرهما أن عمر رضي الله عنه قال « 1 » : يا رسول اللّه لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ، فنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قال ابن كثير : ومقام إبراهيم هو الحجر الذي يصلي عنده الأئمة . وذلك الحجر هو الذي قام إبراهيم عليه عند بناء البيت ، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل عليه السلام به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار . وكلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى ، يطوف حول الكعبة وهو واقف عليه ، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها . وهكذا حتى تم جدران الكعبة . كما جاء بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت من رواية ابن عباس عند البخاريّ « 2 » . قال ابن كثير : وقد كان هذا المقام ملصقا بجدار الكعبة قديما . ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك ، وكأن الخليل عليه السلام ، لما فرغ من بناء البيت ، وضعه إلى جدار الكعبة ، أو أنه انتهى عنده البناء ، فتركه هناك ، ولهذا ، والله أعلم ، أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف . وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه . كما فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فإنه لما قدم مكة طاف بالبيت سبعا ، وجعل المقام بينه وبين البيت ، فصلى ركعتين .
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الصلاة ، 32 - باب ما جاء في القبلة . ونصه : عن أنس قال : قال عمر : وافقت ربي في ثلاث : فقلت : يا رسول اللّه ، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى . فنزلت : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى . وآية الحجاب ، قلت : يا رسول اللّه ، لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر . فنزلت آية الحجاب . واجتمع نساء النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في الغيرة عليه ، فقلت لهن : عسى ربه إن طلقكم أن يبدله أزواجا خيرا منكن . فنزلت هذه الآية . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الأنبياء ، 9 - باب يزفون . وهو حديث طويل عن ابن عباس يبتدئ فيه بذكر أن أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل . ثم مجيء إبراهيم بها وبابنها إسماعيل وهي ترضعه إلى مكة ، وبحث الملك بعقبه عند موضع زمزم حتى ظهر الماء . ومرت بهم رفقة من جرهم فنزلوا في أسفل مكة . ثم شبّ الغلام وتعلّم العربية ، ثم تزوج منهم . ثم مطالعة إبراهيم تركته ، في غيبة إسماعيل ، مرتين . ثم رفعهما القواعد من البيت . إلخ . وهو حديث جليل جدا .