محمد جمال الدين القاسمي

394

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال ابن كثير : وإنما أخره عن جدار الكعبة إلى موضعه الآن عمر رضي الله عنه . ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة . وقد روى البيهقيّ بسنده إلى عائشة رضي الله عنها قالت : إن المقام كان في زمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وزمان أبي بكر رضي الله عنه ملتصقا بالبيت . ثم أخره عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وقال سفيان بن عيينة ، وهو إمام المكيين في زمانه : كان المقام من سقع البيت على عهد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . قال : ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا فردّه عمر إليه . وقال سفيان : لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله . وقال أيضا : لا أدري أكان لاصقا بها أم لا . وأثر عائشة المتقدم يدل على أنه كان لاصقا بها . والله أعلم . وقال الحافظ الشيخ عمر بن الحافظ التقيّ محمد بن فهد المكيّ الهاشميّ ، في كتاب « إتحاف الورى بأخبار أم القرى » في حوادث سنة سبع عشرة : فيها جاء سيل عظيم يعرف بسيل أم نهشل من أعلى مكة من طريق الردم . فدخل المسجد الحرام واقتلع مقام إبراهيم من موضعه ، وذهب به حتى وجد بأسفل مكة . وعيّن مكانه الذي كان فيه لما عفاه السيل . فأتى به وربط بلصق الكعبة في وجهها . وذهب السيل بأم نهشل بنت عبيدة بن سعد بن العاص بن أمية . فماتت فيه واستخرجت بأسفل مكة ، وكان سيلا هائلا . فكتب بذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو بالمدينة الشريفة . فهاله ذلك . وركب فزعا إلى مكة . فدخلا بعمرة في شهر رمضان . فلما وصل إلى مكة وقف على حجر المقام وهو ملصق بالبيت الشريف . ثم قال : أنشد الله عبدا عنده علم في هذا المقام . فقال المطلب بن أبي وداعة السهميّ رضي الله عنه : أنا يا أمير المؤمنين عندي علم ذلك . فقد كنت أخشى عليه مثل هذا الأمر ، فأخذت قدره من موضعه إلى باب الحجر . ومن موضعه إلى زمزم بمقاط . وهي عندي في البيت . فقال له عمر : اجلس عندي وأرسل إليها من يأتي بها . فجلس عنده وأرسل إليها فأتي بها . فقيس ، ووضع حجر المقام في هذا المحل الذي هو فيه الآن . وأحكم ذلك واستمر إلى الآن . انتهى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أي أمرناهما . وتعديته ب إِلى لأنه في معنى : تقدمنا وأوحينا أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ أي عن كل رجس حسيّ ومعنويّ : فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في الشرع . أو ابنياه على طهر من الشرك بي . كما قال تعالى وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [ الحج : 26 ] ، أو أخلصاه للطائفين وما بعده لئلا يغشاه غيرهم . فاللام صلة « طهرا » على هذا . وعلى ما قبله ، لام العلة . أي طهراه لأجلهم .