محمد جمال الدين القاسمي

389

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال القاضي : ولما صدّر قصتهم بالأمر بذكر النعم والقيام بحقوقها ، والحذر عن إضاعتها والخوف من الساعة وأهوالها - كرر ذلك وختم به الكلام معهم ، مبالغة في النصح وإيذانا بأنه فذلكة القضية والمقصود من القصة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 124 ] وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( 124 ) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ لما عاب سبحانه أهل الضلال ، وكان جلهم من ذرية إبراهيم عليه السّلام ، وجميع طوائف الملل تعظمه ومنهم العرب ، وبيته الذي بناه أكبر مفاخرهم وأعظم مآثرهم - ذكّر الجميع ما أنعم به عليه تذكيرا يؤدي إلى ثبوت هذا الدين باطلاع هذا النبي الأميّ ، الذي لم يخالط عالما قط ، على ما لا يعلمه إلّا خواص العلماء . وذكر البيت الذي بناه فجعله عماد صلاحهم ، وأمر بأن يتخذ بعض ما هناك مصلّى ، تعظيما لأمره وتفخيما لعليّ قدره . وفي التذكير بوفائه بعد ذكر الذين وفوا بحق التلاوة ، وبعد دعوة بني إسرائيل عامة إلى الوفاء بالشكر - حثّ على الاقتداء به . وكذا في ذكر الإسلام والتوحيد ، هزّ لجميع من يعظمه إلى اتباعه في ذلك . ذكره البقاعيّ . و إِذِ منصوب على المفعولية بمضمر مقدم خوطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بطريق التلوين أي واذكر لهم وقت ابتلائه عليه السلام ، ليتذكروا بما وقع فيه من الأمور الداعية إلى التوحيد ، الوازعة عن الشرك ، فيقبلوا الحق ويتركوا ما هم فيه من الباطل ، ولا يبعد أن ينتصب بمضمر معطوف على اذْكُرُوا خوطب به بنو إسرائيل ليتأملوا فيما يحكى ، عمن ينتمون إلى ملته من إبراهيم وبنيه عليهم السلام ، من الأفعال والأقوال ، فيقتدوا بهم ويسيروا سيرتهم . أي واذكروا إذ ابتلى أباكم إبراهيم ، فأتم ما ابتلاه به . فما لكم أنتم لا تقتدون به فتفعلوا عند الابتلاء فعله ، في إيفاء العهد والثبات على الوعد ، لأجازيكم على ذلك جزاء المحسنين ؟ والابتلاء ، في الأصل ، الاختبار . أي تطلّب الخبرة بحال المختبر بتعريضه لأمر يشق عليه ، غالبا ، فعله أو تركه . والاختيار منّا لظهور ما لم نعلم . ومن الله لإظهار ما قد علم . وعاقبة الابتلاء ظهور الأمر الخفيّ في الشاهد والغائب جميعا ، فلذا تجوز إضافته إلى الله تعالى . وقوله تعالى بِكَلِماتٍ أي بشرائع : أوامر ونواه . وللمفسرين أقاويل فيها وفي تعدادها . قال ابن جرير : ولا يجوز الجزم بشيء مما ذكروه منها أنه المراد على