محمد جمال الدين القاسمي
390
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
التعيين ، إلا بحديث أو إجماع . قال : ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له . انتهى . وعندي أن الأقرب في معنى الكلمات هو ابتلاؤه بالإسلام ، فأسلم لرب العالمين وابتلاؤه بالهجرة . فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى اللّه . وابتلاؤه بالنار فصبر عليها . ثم ابتلاؤه بالختان فصبر عليه . ثم ابتلاؤه بذبح ابنه فسلم واحتسب . كما يؤخذ ذلك من تتبع سيرته في التنزيل العزيز وسفر التكوين من التوراة . ففيهما بيان ما ذكرنا في شأنه عليه الصلاة والسلام . من قيامه بتلك الكلمات حق القيام . وتوفيتهن أحسن الوفاء . وهذا معنى قوله تعالى فَأَتَمَّهُنَّ كقوله تعالى : وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [ النجم : 37 ] والإتمام التوفية . قالَ جملة مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الكلام . فكأنه قيل : فما جوزي على شكره ؟ قيل : قال له ربه إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً أي قدوة لمن بعدك . والإمام اسم لمن يؤتم به . ولم يبعث بعده نبيّ إلا كان مأمورا باتباع ملته ، وكان من ذريته . كما قال تعالى وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ [ العنكبوت : 27 ] قالَ أي إبراهيم : وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أي واجعل من ذريتي أئمة قالَ لا يَنالُ أي قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك . لكن لا ينال عَهْدِي أي الذي عهدته إليك بالإمامة الظَّالِمِينَ أي منهم . لأنهم نفوا أنفسهم عنك في أبوة الدين . ففي قوله لا يَنالُ . . . إلخ إجابة خفية لدعوته عليه السلام . وعدة إجمالية منه تعالى بتشريف بعض ذريته بنيل عهد الإمامة . كما قال تعالى : وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ [ العنكبوت : 27 ] وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه ، لا سيما للذين دعوا قبلها إلى الوفاء بالعهد . وإشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم كما أدام رفعته ، وإن ظلموا لم تنلهم دعوته ، فضربت عليهم الذلة وما معها ، ولا يجزى أحد عنهم شيئا ولا هم ينصرون . وقرئ ( الظالمون ) على أن عَهْدِي مفعول مقدم اهتماما ورعاية للفواصل . وقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن الظالم ليس بأهل للإمامة . والكشاف أوسع المقال ، في ذلك ، هنا ، وأبدع في إيراد الشواهد . كما أن الشيعة استدلت بها على صحة قولهم في وجوب العصمة في الأئمة ، ظاهرا وباطنا . على ما نقله الرازيّ عنهم وحاورهم .