محمد جمال الدين القاسمي

337

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وتأول الراغب الأصفهانيّ قوله تعالى : عِنْدَ رَبِّكُمْ أي في حكمه وكتابه ، كما هو وجه في آية فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ ، فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ [ النور : 13 ] أي في حكم الله وقضائه ، وهو وجه جيد ، وقوله أَ فَلا تَعْقِلُونَ من تمام التوبيخ والعتاب ، فهو من جملة الحكاية عنهم على سبيل إنكار بعضهم على بعض . قال الراغب : ويصح أن تكون استئناف إنكار من الله عز وجل ، على سبيل ما يسمى في البلاغة « الالتفات » . ويصح أن يكون ذلك خطابا للمؤمنين ، تنبيها على ما يفعله الكفار والمنافقون . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 77 ] أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 77 ) أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ أي يخفون من قولهم لأصحابهم ، ومن غيره وَما يُعْلِنُونَ أي يظهرون من ذلك ، فيخبر به أولياءه . قال الراغب : هذا تبكيت لهم ، وإنكار لما يتعاطونه ، مع علمهم بأن الله لا يخفى عليه خافية . ولما ذكر العلماء من اليهود الذين عاندوا بالتحريف ، مع العلم والاستيقان ، ذكر العوامّ الذين قلدوهم ، ونبّه على أنهم في الضلال سواء . لأن العالم عليه أن يعمل بعلمه ، وعلى العامّيّ أن لا يرضى بالتقليد والظن ، وهو متمكن من العلم ، فقال : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 78 ] وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ( 78 ) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ أي لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها من دلائل النبوة ، فيؤمنوا . لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ أي التوراة ، أي لا يدرون ما فيها من حدود وأحكام ومواثيق إِلَّا أَمانِيَّ بالتشديد جمع أمنية ، أصلها أمنوية « أفعولة » فأعلّت إعلال سيّد ، وميّت . مأخوذة من تمنى الشيء : قدّره وأحب أن يصير إليه . أو من تمنّى : كذب . أو من تمنى الكتاب : قرأه . وعلى كل فالاستثناء منقطع ، إذ ليس ما يتمنى ، وما يختلق وما يتلى ، من جنس علم الكتاب أي لا يعلمون الكتاب . لكن يتمنون أمانيّ حسبما منّتهم أحبارهم من أن الله سبحانه يعفو عنهم . وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم . وغير ذلك من أمانيهم الفارغة . المستندة إلى الكتاب ، على