محمد جمال الدين القاسمي

338

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

زعم رؤسائهم . أو لا يعلمون الكتاب ، لكن أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم . فتقبلوها على التقليد . أو لا يعلمون الكتاب لكن يتلقونه قدر ما يتلى عليهم . فيقبلونه من غير أن يتمكنوا من التدبر والتأمل فيه . قال ابن جرير : وأولى ما روينا في تأويل قوله إِلَّا أَمانِيَّ أن هؤلاء الأميين لا يفقهون ، من الكتاب الذي أنزله الله ، شيئا . ولكنهم يتخرصون الكذب ويتقوّلون الأباطيل كذبا وزورا . والتمني في هذا الموضع هو تخلّق الكذب وتخرّصه وافتعاله . بدليل قوله تعالى بعد وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ فأخبر عنهم أنهم يتمنون ما يتمنون من الأكاذيب ظنا منهم ، لا يقينا . وقال أبو مسلم الأصفهانيّ : حمله على تمني القلب أولى . بدليل قوله تعالى وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى ، تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ [ البقرة : 111 ] أي تمنيهم . وقال الله تعالى : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [ النساء : 123 ] ، وقال تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ [ البقرة : 111 ] ، وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ ، وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ ، إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [ الجاثية : 24 ] بمعنى يقدّرون ويخرصون . ورجح كثيرون حمله على القراءة ، كقوله تعالى : إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [ الحج : 52 ] ، إذ في الاستثناء ، حينئذ ، نوع تعلق بما قبله . فيكون أليق في طريقة الاستثناء . و إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ما هم إلّا قوم قصارى أمرهم الظن والتقليد ، من غير أن يصلوا إلى رتبة العلم . فأنى يرجى منهم الإيمان المؤسس على قواعد اليقين ؟ ( تنبيه ) قال الراغب : قد أنبأ الله عن جهل الأميين وذمهم والمبالغة في ذم علمائهم وأحبارهم . فإن الأميين لم يعرفوا إلا مجرد التلاوة . واعتمدوا على زعمائهم وأحبارهم . وهم قد ضلوا وأضلوا . ونبهنا الله تعالى بذم الأميين ، على اكتساب المعارف لئلا يحتاج إلى التقليد والاعتماد على من لا يؤمن كذبه . وبذم زعمائهم ، على تحرّي الصدق وتجنب الإضلال . إذ هو أعظم من الضلال . ولما بين حال هؤلاء في تمسكهم بحبال الأمانيّ واتباع الظن ، عقب ببيان حال الذين أوقعوهم في تلك الورطة ، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله ، وأكل أموال الناس بالباطل . فقيل على وجه الدعاء عليهم .