محمد جمال الدين القاسمي

276

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

على الآخر فهما صنفان - وهذا التفصيل في الإيمان هو كذلك في لفظ البرّ ، والتقوى ، والمعروف . وفي الإثم ، والعدوان ، والمنكر . تختلف دلالتها في الإفراد والاقتران لمن تدبّر القرآن . وقد بيّن حديث جبريل أنّ الإيمان أصله في القلب ، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله - كما في المسند عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - أنّه قال : « الإسلام علانية والإيمان في القلب » « 1 » . و قد قال صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح : « ألا إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ، ألا وهي القلب » « 2 » . فإذا كان الإيمان في القلب ، فقد صلح القلب . فيجب أن يصلح سائر الجسد ، فلذلك هو ثمرة ما في القلب . فلهذا قال بعضهم : الأعمال ثمرة الإيمان . وصحته ، لما كانت لازمة لصلاح القلب ، دخلت في الاسم . كما نطق بذلك الكتاب والسنة في غير موضع ، هذا ما أفاده الإمام ابن تيميّة رحمه الله . وقوله تعالى : أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ جمع ( جنّة ) : وهي البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلّل بالتفاف أغصانه . وإنما سميت « دار الثواب » بها مع أنّ فيها ما لا يوصف من الغرفات والقصور ، لما أنّها مناط نعيمها ، ومعظم ملاذّها . وجمعها مع التنكير : لاشتمالها على جنان كثيرة في كلّ منها مراتب ودرجات متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال وأصحابها . وقوله تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ صفة جنّات ، ثم إن أريد بها الأشجار ، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر ، وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها ، فلا بدّ من تقدير مضاف - أي من تحت أشجارها - وإن أريد بها مجموع الأرض والأشجار ، فاعتبار التحتيّة بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحّح لإطلاق اسم الجنّة على

--> ( 1 ) أخرجه الإمام أحمد : 3 / 135 ونصه : عن أنس قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « الإسلام علانية والإيمان في القلب » قال ، ثم يشير إلى صدره ثلاث مرات . قال ، ثم يقول : « التقوى هاهنا . التقوى هاهنا » . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الإيمان ، 39 - باب فضل من استبرأ لدينه ونصه : عن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « الحلال بيّن والحرام بيّن . وبينهما مشبّهات لا يعلمها كثير من الناس . فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه . ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه . ألا وإن لكل ملك حمى . ألا وإن حمى اللّه في أرضه محارمه . ألا وإن في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد القلب كله . ألا وهي القلب » .