محمد جمال الدين القاسمي
277
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الكل ، وإنما جيء ذكر الجنات - مشفوعا بذكر الأنهار الجارية - لما أنّ أنزه البساتين ، وأكرمها منظرا ، ما كانت أشجاره مظلّلة ، والأنهار في خلالها مطّردة ، وفي ذلك النعمة العظمى واللذة الكبرى . واللام في الأنهار : للجنس : كما في قولك : لفلان بستان فيه الماء الجاري - أو للعهد . والإشارة إلى ما ذكر في قوله تعالى : فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ . . . [ محمد : 15 ] الآية . كُلَّما رُزِقُوا مِنْها - أي : أطعموا من تلك الجنات - مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ - أي : مثل الذي رزقناه من قبل هذا الذي أحضر إلينا - فالإشارة إلى المرزوق في الجنّة لتشابه ثمارها . بقرينة قوله وَأُتُوا بِهِ - أي : أتتهم الملائكة والولدان برزق الجنة - مُتَشابِهاً يشبه بعضه بعضا لونا ، ويختلف طعما ، وذلك أجلب للسرور ، وأزيد في التعجّب ، وأظهر للمزّية ، وأبين للفضل . وترديدهم هذا القول ، ونطقهم به - عند كل ثمرة يرزقونها - دليل على تناهي الأمر في استحكام الشّبه ، وأنّه الذي يستملي تعجّبهم ، ويستدعي استغرابهم ، ويفرط ابتهاجهم . فإن قيل : كيف موقع قوله وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً من نظم الكلام ؟ قلت : هو كقولك : فلان أحسن بفلان ، ونعم ما فعل . ورأى من الرأي كذا ، وكان صوابا . ومنه قوله تعالى : وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ [ النمل : 34 ] . وما أشبه ذلك من الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير . وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من الحيض والاستحاضة وما لا يختص بهنّ من الأقذار والأدناس - ويجوز لمجيئه مطلقا ، أن يدخل تحته الطهر من دنس الطباع ، وسوء الأخلاق وسائر مثالبهنّ وكيدهنّ . وقوله تعالى : وَهُمْ فِيها خالِدُونَ هذا هو تمام السعادة ، فإنّهم - مع هذا النعيم - في مقام أمين من الموت والانقطاع ، فلا آخر له ولا انقضاء . بل في نعيم سرمديّ أبديّ على الدوام . والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم . إنه البر الرحيم . ولمّا ضرب تعالى - فيما تقدم - للمنافقين مثلين : في قوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ . . . إلخ . وقوله أَوْ كَصَيِّبٍ . . . إلخ . إلى أمثال أخرى تقدّمت على نزول هذه السورة ، من السّور المكية ، ضربت للمشركين - نبّه تعالى إلى موضع العبرة بها ، والحكمة منها ، وتضليل من لا يقدّرها قدرها - ممّن يتجاهل عن سرّها ، ويتعامى عن نورها ، ويحول دون الاهتداء بها ، والأخذ بسببها - فقال سبحانه :