محمد جمال الدين القاسمي

270

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كأنه قيل : فإذا عجزتم عن الإتيان بمثله - كما هو المقرر - فاحترزوا من إنكار كونه منزلا من عند الله سبحانه ، فإنه مستوجب للعقاب بالنار ، لكن أوثر عليه الكناية المذكورة المبنيّة على تصوير العناد بصورة النار ، وجعل الاتصاف به عين الملابسة بها ، للمبالغة في تهويل شأنه ، وتفظيع أمره ، وإظهار كمال العناية - بتحذير المخاطبين منه ، وتنفيرهم عنه ، وحثّهم على الجدّ في تحقيق المكنيّ به - وفيه من الإيجاز البديع ما لا يخفى . حيث كان الأصل : فإن لم تفعلوا فقد صحّ صدقه عندكم ، وإذا صحّ ذلك كان لزومكم العناد ، وترككم الإيمان به ، سببا لاستحقاقكم العقاب بالنار ، فاحترزوا منه واتّقوا النار الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ صفة للنار مورثة لها زيادة هول وفظاعة - أعاذنا الله منها برحمته الواسعة - و « الوقود » ما توقد به النار ، وترفع من الحطب . وقرئ بضمّ الواو ، وهو مصدر سمي به المفعول مبالغة - كما يقال : فلان فخر قومه ، وزين بلده - فإن قيل : صلة الذي والتي يجب أن تكون قصة معلومة للمخاطب ، فكيف علم أولئك أنّ نار الآخرة توقد بالناس والحجارة ؟ قلت : لا يمتنع أن يتقدّم لهم بذلك سماع من آيات التنزيل المتقدمة عليها ، أو من رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو من أهل الكتاب . والمراد بالحجارة الأصنام ، وبالناس أنفسهم - حسبما ورد في قوله تعالى : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [ الأنبياء : 98 ] فإنها مفسّرة لما نحن فيه - وحكمة اقترانهم مع الحجارة في الوقود : أنهم لمّا اعتقدوا في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستنفعون بهم ، ويستدفعون المضارّ عن أنفسهم بمكانهم ، جعلها الله عذابهم ، فقرنهم بها محماة في نار جهنم - إبلاغا في إيلامهم ، وإغراقا في تحسيرهم . ونحوه ما يفعله بالكانزين الذين جعلوا ذهبهم وفضّتهم عدة وذخيرة ، فشحّوا بها ، ومنعوها من الحقوق ، حيث يحمى عليها في نار جهنّم . فتكوى جباههم وجنوبهم أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ هيّئت لهم ، وجعلت عدة لعذابهم ، والمراد : إما جنس الكفّار - والمخاطبون داخلون فيهم دخولا أوليّا ، - وإمّا هم خاصة ، ووضع الكافرين موضع ضميرهم لذمّهم ، وتعليل الحكم بكفرهم - والجملة مستأنفة مقرّرة لمضمون ما قبلها . ومبيّنة لمن أريد بالناس ، دافعة لاحتمال العموم . ( تنبيه ) هذه الآية الجليلة من جملة الآيات التي صدعت بتحدّي الكافرين بالتنزيل الكريم . وقد تحدّاهم الله تعالى في غير موضع منه ، فقال في سورة القصص قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ