محمد جمال الدين القاسمي
271
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
[ القصص : 49 ] . وقال في سورة الإسراء قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ الإسراء : 88 ] . وقال في سورة هود : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ هود : 13 ] . وقال في سورة يونس : وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ، قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ يونس : 38 - 38 ] . وكل هذه الآيات مكيّة . ثمّ تحدّاهم أيضا في المدينة بقوله وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ . . [ البقرة : 23 ] ، إلى آخر هذه الآية فعجزوا عن آخرهم : - وهم فرسان الكلام ، وأرباب النظام ، وقد خصوا من البلاغة والحكم ، ما لم يخص به غيرهم من الأمم ، وأوتو من ذرابة اللسان ، ما لم يؤت إنسان . ومن فصل الخطاب ، ما يقيّد الألباب . جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة ، وفيهم غريزة وقوّة . يأتون منه على البديهة بالعجب ، ويدلون به إلى كل سبب ، فيخطبون بديها في المقامات وشديد الخطب ، ويرتجزون به بين الطعن والضرب . ويمدحون ، ويقدحون ، ويتوسلون ، ويتوصّلون ، ويرفعون ، ويضعون ، فيأتون بالسحر الحلال . ويطوّقون من أوصافهم أجمل من سمط اللئال . فيخدعون الألباب ، ويذللون الصعاب ، ويذهبون الإحن ، ويهيجون الدّمن ، ويجرّئون الجبان ، ويبسطون يد الجعد البنان . ويصيّرون الناقص كاملا ، ويتركون النبيه خاملا ، منهم البدويّ : ذو اللفظ الجزل ، والقول الفصل ، والكلام الفخم ، والطبع الجوهريّ ، والمنزع القويّ . ومنهم الحضريّ : ذو البلاغة البارعة ، والألفاظ الناصعة ، والكلمات الجامعة ، والطبع السهل ، والتصرّف في القول القليل الكلفة ، الكثير الرونق ، الرقيق الحاشية ، وكلا البابين فلهما - في البلاغة - الحجّة البالغة ، والقوّة الدامغة ، والقدح الفالج ، والمهبع الناهج . لا يشكون أنّ الكلام طوع مرادهم ، والبلاغة ملك قيادهم ، قدحوا فنونها ، واستنبطوا عيونها ، ودخلوا من كلّ باب من أبوابها ، وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها ، فقالوا في الخطير والمهين ، وتفنّنوا في الغثّ والسمين ، وتقاولوا في القلّ والكثر ، وتساجلوا في النظم والنثر - ومع هذا - فلم يتصد للإتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم ، ولم ينهض - لمقدار أقصر سورة منه - ناهض من بلغائهم ، على أنّهم كانوا أكثر من حصى البطحاء ، وأوفر عددا من رمال الدهناء ، ولم ينبض منهم عرق العصبيّة مع اشتهارهم بالإفراط في المضادّة والمضارّة ، وإلقائهم