محمد جمال الدين القاسمي
265
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وكافرة قد نبذته وراء ظهرها بالمجاهرة والشقاق ، وأخرى مذبذبة بينهما بالمخادعة والنفاق ، وما اختصت به كلّ فرقة مما يسعدها ويشقيها ، ويحظيها عند الله ويرديها ، أقبل عليهم بالخطاب - وهو من الالتفات المذكور عند قوله جلّ ذكره إِيَّاكَ نَعْبُدُ - وهو فنّ من الكلام جزل ، فيه هزّ وتحريك من السامع - كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكيا عن ثالث لكما : إنّ فلانا من قصته كيت وكيت ، فقصصت عليه ما فرط منه ، ثم عدلت بخطابك إلى الثالث ، فقلت : يا فلان ! من حقّك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجاري أمورك ، وتستوي على جادّة السّداد في مصادرك ومواردك - نبهته بالتفاتك نحوه فضل تنبه ، واستدعيت إصغاءه إلى إرشادك زيادة استدعاء ، وأوجدته ، بالانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازّا من طبعه ، ما لا يجده إذا استمررت على لفظ الغيبة . وهكذا الافتنان في الحديث والخروج فيه من صنف إلى صنف ، يستفتح الآذان للاستماع ، ويستهش الأنفس للقبول . وإنما كثر النداء في كتابه تعالى على طريقة يا أَيُّهَا النَّاسُ لاستقلاله بأوجه من التأكيد ، وأسباب من المبالغة . كالإيضاح بعد الإبهام ، واختيار لفظ البعيد وتأكيد معناه بحرف التنبيه . ومعلوم أنّ كل ما نادى الله له عباده : من أوامره ، ونواهيه ، وعظاته ، وزواجره ، ووعده ، ووعيده ، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم ، وغير ذلك . . . مما أنطق به كتابه - أمور عظام ، وخطوب جسام ، ومعان علّمهم أن يتيقّظوا لها ، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها وهم عنها غافلون . فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ - أفاده الزمخشريّ - . والمراد بالناس : كافّة المكلّفين - مؤمنهم وكافرهم - فطلب العبادة من المؤمنين طلب الزيادة فيها ، والثبات عليها ، ومن الكافرين ، ابتداؤها . الَّذِي خَلَقَكُمْ أنعم عليكم بإخراجكم من العدم إلى الوجود « و » - خلق - الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي كي تتقون ، كقوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ، وقوله سبحانه الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الملك : 2 ] . وفي إيراد « لعلّ » تشبه طلبه تعالى برجاء الراجي من المرجوّ منه أمرا هيّن الحصول . فإنّه تعالى لما وضع في أيدي المكلفين زمام الاختيار ، وطلب منهم الطاعة ، ونصب لهم أدلّة عقليّة ونقليّة داعية إليها ، ووعد ، وأوعد ، وألطف بما لا يحصى كثرة ، لم يبق للمكلف عذر ، وصار حاله في رجحان اختياره للطاعة مع تمكنه من المعصية كحال المترجي منه في رجحان اختياره لما يرتجي منه - مع تمكّنه من خلافه - وصار طلب الله تعالى لعبادته واتّقائه بمنزلة الترجّي - فيما ذكرناه - .