محمد جمال الدين القاسمي
266
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 22 ] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 ) الَّذِي جَعَلَ - خلق - لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً بساطا ومهادا غير حزنة ، وَالسَّماءَ بِناءً البناء ، في الأصل ، مصدر سمي به المبنيّ - بيتا كان ، أو قبّة ، أو خباء . قال بعض علماء الفلك في معنى الآية : أي كالبنيان يشدّ بعضه بعضا . و السَّماءَ يراد بها الجنس كالسماوات ، والمعني بها الكواكب السيارات - قال : فجميع السماوات أو الكواكب كالبناء المرتبط بعضه ببعض من كلّ جهة ، المتماسك كأجزاء الجسم الواحد بالجاذبية التي تحفظ نظامها في مداراتها ، وهو جذب الشمس لها . وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أي : السحاب ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً النهي متفرع على مضمون ذلك الأمر ، كأنّه قيل : إذا أمرتم بعبادة من هذا شأنه - من التفرد بهذه الأفعال الجليلة - فلا تجعلو له أندادا شركاء في العبادة ، أي أمثالا تعبدونهم كعبادته - جمع ندّ . وهو المثل ، ولا يقال إلّا للمثل المخالف المناوئ - فإن قيل : كيف صلح تسميتها أندادا وهم ما كانوا يزعمون أنها تخالفه وتناوئه ، بل كانوا يجعلونها شفعاء عنده ؟ أجيب : بأنّهم لما تقرّبوا إليها ، وعظموها ، وسمّوها آلهة - أشبهت حالهم حال من يعتقد أنّها آلهة مثله قادرة على مخالفته ، ومضادّته ، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكّم . وكما تهكّم بهم بلفظ الندّ شنّع عليهم ، واستفظع شأنهم ، بأن جعلوا أندادا كثيرة لمن لا يصحّ أن يكون له ندّ قط . وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما بينه وبينها من التفاوت ، وأنها لا تفعل مثل أفعاله ، كقوله هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ [ الروم : 40 ] أو وأنتم من أهل العلم والمعرفة - والتوبيخ فيه آكد - أي أنتم العرافون المميزون ، ثمّ ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام للّه أندادا - هو غاية الجهل ، ونهاية سخافة العقل . ومما ينبغي التفطّن له - في الاعتبار بهذه الآية - ما قاله الزمخشريّ : من أنّه سبحانه وتعالى قدّم من موجبات عبادته ، وملزمات حقّ الشكر له : خلقهم أحياء