محمد جمال الدين القاسمي
262
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
من أهل الظلمات الذين لا نور لهم ، وأيضا فإن الله تعالى سمّى كتابه ( نورا ) ، ورسوله صلى اللّه عليه وسلّم ( نورا ) ، ودينه ( نورا ) ، وهداه ( نورا ) ، ومن أسمائه ( النور ) ، والصلاة ( نور ) ، فذهابه سبحانه بهم : ذهاب بهذا كله . وتأمل مطابقة هذا المثل - لما تقدمه من قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ [ البقرة : 16 ] كيف طابق هذه التجارة الخاسرة التي تضمّنت هول الضلالة والرضاء بها ، وبدّل الهدى في مقابلتها ، وهول الظلمات - التي هي الضلالة والرضاء بها - بدلا عن النور - الذي هو الهدى والنور - فبدّلوا الهدى والنور ، وتعوّضوا عنه بالظلمة والضلالة . فيا لها من تجارة ما أخسرها ، وصفقة ما أشدّ غبنها . وتأمّل كيف قال تعالى : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ فوحّده ثم قال : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ فجمعها . فإن الحقّ واحد : هو صراط الله المستقيم - الذي لا صراط يوصل إليه سواه - وهو عبادته وحده لا شريك له ، بما شرعه على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلّم ، لا بالأهواء ، والبدع ، وطرق الخارجين عن ما بعث الله به رسوله صلى اللّه عليه وسلّم - من الهدى ودين الحق - بخلاف طرق الباطل فإنها متعدّدة متشعّبة . ولهذا ، يفرد ، سبحانه ، الحق ، ويجمع الباطل ، كقوله تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ [ البقرة : 257 ] وقال تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ الأنعام : 153 ] ، فجمع سبل الباطل ، ووحّد سبيل الحق . ولا يناقض هذا قوله يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ [ المائدة : 16 ] فإنّ تلك هي طرق مرضاته التي يجمعها سبيله الواحد وصراطه المستقيم ، إنّ طرق مرضاته كلها ترجع إلى صراط واحد ، وسبيل واحد ، وهي سبيله التي لا سبيل إليه إلّا منها . وقد صحّ عن النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلّم أنه خط خطا مستقيما ، وقال : « هذا سبيل الله » « 1 » . ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ، وقال « هذه سبل ، على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه » ثم قرأ قوله تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . وقد قيل : إنّ هذا مثل للمنافقين ، وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين
--> ( 1 ) أخرج ابن ماجة في السنن في المقدمة ، باب اتباع سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، حديث 11 : عن جابر بن عبد اللّه قال : كنا عند النبي صلى اللّه عليه وسلّم . فحطّ خطّا . وخطّ خطين عن يمينه . وخط خطين عن يساره . ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال « هذا سبيل اللّه » ثم تلا هذه الآية وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ الأنعام : 153 ] .