محمد جمال الدين القاسمي

263

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أهل الإسلام ، ويكون بمنزلة قول الله تعالى : كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [ المائدة : 64 ] . ويكون قوله تعالى : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ مطابقا لقوله تعالى : أَطْفَأَهَا اللَّهُ ويكون تخييبهم ، وإبطال ما راموه ، هو : تركهم في ظلمات الحيرة ، لا يهتدون إلى التخلص مما وقعوا فيه ، ولا يبصرون سبيلا ، بل هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ . هذا التقدير - وإن كان حقا - ففي كونه مراد بالآية نظر ، فإنّ السياق إنما قصد لغيره ، ويأباه قوله تعالى : فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبدا . ويأباه قوله تعالى : ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وموقد نار الحرب لا نور له ، ويأباه قوله تعالى : وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ وهذا يقتضي أنهم انتقلوا من نور المعرفة والبصيرة ، إلى ظلمة الشك والكفر . قال الحسن رحمه الله : هو المنافق أبصر ثم عمي ، وعرف ثم أنكر . ولهذا قال فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ أي لا يرجعون إلى النور الذي فارقوه . وقال تعالى في حقّ الكفار صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ فسلب العقل عن الكفار - إذ لم يكونوا من أهل البصيرة والإيمان - وسلب الرجوع عن المنافقين - لأنهم آمنوا ثمّ كفروا - فلم يرجعوا إلى الإيمان . فصل ثم ضرب الله ، سبحانه ، لهم مثلا آخر مائيا ، فقال تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ . فشبه نصيبهم - مما بعث الله تعالى به رسوله صلى اللّه عليه وسلّم - من النور والحياة بنصيب المستوقد النار التي طفئت عنه أحوج ما كان إليها ، وذهب نوره . وبقي في الظلمات حائرا ، تائها ، لا يهتدي سبيلا ، ولا يعرف طريقا ، وبنصيب أصحاب الصيّب - وهو المطر الذي يصوّب ( أي ينزل ) من علوّ إلى أسفل - فشبّه الهدى - الذي هدى به عباده - بالصيّب ، لأن القلوب تحيى به حياة الأرض بالمطر . ونصيب المنافقين من هذا الهدى ، بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيّب إلّا ظلمات ورعد وبرق ، ولا نصيب له - فيما وراء ذلك - مما هو المقصود بالصيّب - من حياة البلاد ، والعباد ، والشجر ، والدوابّ ، وأن تلك الظلمات التي فيه ، وذلك الرعد ، والبرق ، مقصود لغيره ، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيّب . فالجاهل - لفرط جهله - يقتصر على الإحساس بما في الصيّب من ظلمة ورعد وبرق ولوازم ذلك من برد شديد ، وتعطيل المسافر عن سفره ، وصانع عن صنعته ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيّب من الحياة والنفع العام . وهكذا شأن كلّ