محمد جمال الدين القاسمي

254

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الإملاء ، والترك لهم في عتوّهم وتمرّدهم ، كما قال تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ الأنعام : 110 ] . و ( الطغيان ) المراد به هنا : الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتوّ . وأصل المادة هو المجاوزة في الشيء ، كما قال تعالى إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ [ الحاقة : 11 ] . ( والعمة ) مثل العمى - إلّا أنّ العمى عامّ في البصر والرأي ، والعمة في الرأي خاصة - وهو التحيّر والتردد ، لا يدري أين يتوجه . أي في ضلالهم وكفرهم - الذي غمرهم دنسه ، وعلاهم رجسه - يتردّدون حيارى ، ضلالا ، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا . والمشهور فتح الياء من « يمدّهم » ، وقرئ - شاذا - بضمها ، وهما بمعنى واحد . يقال : مدّ الجيش وأمده - إذا زاده ، وألحق به ما يقوّيه ويكثره - وكذلك مدّ الدواة وأمدها زادها ما يصلحها . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 16 ] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى إشارة إلى المذكورين باعتبار اتصافهم بما ذكر من الصفات الشنيعة المميّزة لهم عمن عداهم أكمل تمييز ، بحيث صاروا كأنّهم حضّار مشاهدون على ما هم عليه . وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الشرّ وسوء الحال ، ومحلّه الرفع على الابتداء ، خبره قوله تعالى : الَّذِينَ اشْتَرَوُا إلخ . والجملة مسوقة لتقرير ما قبلها ، وبيان لكمال جهالتهم - فيما حكي عنهم من الأقوال والأفعال - بإظهار غاية سماجتها ، وتصويرها بصورة ما لا يكاد يتعاطاه من له أدنى تمييز - فضلا عن العقلاء - . و الضَّلالَةَ الجور عن القصد ، و بِالْهُدى التوجّه إليه . وقد استعير الأول : للعدول عن الصواب في الدين ، والثاني : للاستقامة عليه . و « الاشتراء » استبدال السلعة بالثمن - أي أخذها به - فاشتراء الضلالة بالهدى مستعار لأخذها بدلا منه أخذا منوطا بالرغبة فيها والإعراض عنه . فإن قيل : كيف اشتروا الضلالة بالهدى ، وما كانوا على هدى ؟ قلت : جعلوا لتمكّنهم منه - بتيسير أسبابه - كأنه في أيديهم ، فإذا تركوه إلى