محمد جمال الدين القاسمي

255

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الضلالة قد عطّلوه ، واستبدلوها به ، فاستعير ثبوته لتمكّنهم بجامع المشاركة في استتباع الجدوى ولا مرية في أنّ هذه المرتبة - من التمكّن - كانت حاصلة لهم بما شاهدوه - من الآيات الباهرة ، والمعجزات القاهرة - من جهة النبي صلى اللّه عليه وسلّم . فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ عطف على الصلة داخل في حيزها . والفاء للدلالة على ترتّب مضمونه عليها . والتجارة صناعة التجار ، وهو التصدّي للبيع والشراء ، لتحصيل الربح وهو الفضل على رأس المال ، وإسناد عدمه - الذي هو عبارة عن الخسران - إليها ، وهو لأصحابها ، من الإسناد المجازيّ وهو : أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له - كما تلبست التجارة بالمشترين - وفائدته : المبالغة في تخسيرهم ، لما فيه من الإشعار بكثرة الخسار ، وعمومه المستتبع ، لسرايته إلى ما يلابسهم . فإن قلت : هب أنّ شراء الضلالة بالهدى وقع مجازا في معنى الاستبدال ، فما معنى ذكر الربح ، والتجارة كأنّ ثمّ مبايعة على الحقيقة ؟ قلت : هذا من الصنعة البديعة التي تبلغ بالمجاز الذروة العليا ، وهو أن تساق كلمة مساق المجاز ، ثم تقفّى بأشكال لها ، وأخوات - إذا تلاحقن - لم تر كلاما أحسن منه ديباجة ، وأكثر ماء ورونقا ، وهو المجاز المرشّح ، فإيرادهما - إثر الاشتراء - تصوير لما فاتهم من فوائد الهدى بصورة خسار التجارة - الذي يتحاشى عنه كل أحد - للإشباع في التخسير والتحسير . وهذا النوع قريب من التتميم الذي يمثله أهل صناعة البديع بقول الخنساء : وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به * كأنه علم في رأسه نار . . ! لمّا شبّهته - في الاهتداء به - بالعلم المرتفع ، أتبعت ذلك ما يناسبه ويحقّقه ، فلم تقنع بظهور الارتفاع حتى أضافت إلى ذلك ظهورا آخر ، باشتعال النار في رأسه . وقوله : وَما كانُوا مُهْتَدِينَ أي : لزوال استعدادهم ، وتكدير قلوبهم بالرّين الموجب للحجاب والحرمان الأبديّ . قال الزمخشريّ : فإن قيل : لم عطف بالواو عدم اهتدائهم على انتفاء ربح تجارتهم ، ورتّبا معا بالفاء على اشتراء الضلالة بالهدى ؟ وما وجه الجمع بينهما - مع ذلك الترتيب - على أن عدم الاهتداء قد فهم من استبدال الضلالة بالهدى ، فيكون تكرارا لما مضى ؟