محمد جمال الدين القاسمي

252

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وَفَسادٌ كَبِيرٌ [ الأنفال : 73 ] ، فأخبر أن موالاة الكافرين تؤدّي إلى الفتنة والفساد ، لما تقدّم . وقولهم : إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أي : بين المؤمنين وأهل الكتاب . نداري الفريقين ونريد الإصلاح بينهما كما حكى اللّه عنهم أنهم قالوا : إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً [ النساء : 62 ] . أو معناه : إنما نحن مصلحون في الأرض بالطاعة والانقياد . قال الراغب : تصوّروا إفسادهم بصورة الإصلاح - لما في قلوبهم من المرض - كما قال أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً [ فاطر : 8 ] وقوله : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ الأنعام : 43 ] وقوله : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [ الكهف : 104 ] . وقال القاشانيّ كانوا يرون الصلاح في تحصيل المعاش ، وتيسير أسبابه ، وتنظيم أمور الدنيا - لأنفسهم خاصة - لتوغّلهم في محبّة الدنيا ، وانهماكهم في اللذات البدنية ، واحتجابهم - بالمنافع الجزئية ، والملاذّ الحسية - عن المصالح العامة الكلّية ، واللذات العقلية ، وبذلك يتيسر مرادهم ، ويتسهل مطلوبهم ، وهم لا يحسون بإفسادهم المدرك بالحسّ . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 13 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ بطريق الأمر بالمعروف ، إثر نهيهم عن المنكر - إتماما للنّصح ، وإكمالا للإرشاد - آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ أي : الكاملون في الإنسانية ، فإنّ المؤمنين هم الناس في الحقيقة لجمعهم ما يعدّ من خواصّ الإنسان وفضائله - قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ استفهام في معنى الإنكار . و ( السفه ) خفّة وسخافة رأي يورثهما : قصور العقل ، وقلّة المعرفة بمواضع المصالح والمضار . ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء في قوله تعالى : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً [ النساء : 5 ] . وإنما سفّهوهم - مع أنهم العقلاء المراجيح - لأنهم : لجهلهم ، وإخلالهم بالنظر وإنصاف أنفسهم ، اعتقدوا أنّ ما هم فيه هو الحقّ ، وأنّ ما عداه باطل - ومن