محمد جمال الدين القاسمي

251

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وجه إيثاره في عذاب المنافقين - على « العظم » المتقدم في وصف عذاب الكافرين - ويؤيده : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً [ النساء : 145 ] . بِما كانُوا يَكْذِبُونَ الباء للسببيّة أو للمقابلة - أي بسبب كذبهم أو بمقابلته - وهو قولهم : آمنا بالله وباليوم الآخر ، وهم غير مؤمنين . وفيه رمز إلى قبح الكذب ، وسماجته ، وتخييل أن العذاب الأليم لا حق بهم من أجل كذبهم - مع إحاطة علم السامع بأنّ لحوق العذاب بهم من جهات شتى - ونحوه قوله تعالى : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا [ نوح : 25 ] - والقوم كفرة - وإنما خصّت الخطيئات استعظاما لها ، وتنفيرا عن ارتكابها . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 11 إلى 12 ] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( 11 ) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ( 12 ) شروع في تعديد بعض من مساوئهم المتفرّعة - على ما حكى عنهم من الكفر والنفاق - و « الفساد » خروج الشيء عن حال استقامته وكونه منتفعا به . ونقيضه « الصلاح » وهو الحصول على الحالة المستقيمة النافعة . والفساد في الأرض : تهييج الحروب والفتن ، لأن في ذلك فساد ما في الأرض ، وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس ، والزروع ، والمنافع الدينية والدنيوية . قال الله تعالى : وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [ البقرة : 205 ] . أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [ البقرة : 30 ] - ومنه قيل لحرب كانت بين طيء : حرب الفساد - . وكان إفساد المنافقين في الأرض أنهم كانوا يمالئون الكفار على المسلمين بإفشاء أسرارهم إليهم ، وإغرائهم عليهم ، واتخاذهم أولياء ، مع ما يدعون في السرّ إلى : تكذيب النبي صلى اللّه عليه وسلّم وجحد الإسلام ، وإلقاء الشبه ، وذلك مما يجرئ الكفرة على إظهار عداوة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ونصب الحرب له ، وطمعهم في الغلبة ، فلما كان ذلك من صنيعهم مؤدّيا إلى الفساد - بتهييج الفتن بينهم - قيل لهم : لا تفسدوا - كما تقول للرجل : لا تقتل نفسك بيدك ولا تلق نفسك في النار ، إذا أقدم على ما هذه عاقبته - وقد قال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ