محمد جمال الدين القاسمي
234
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الذي لا يسبغ الوضوء ، أو الذي لا يتمّ الأركان ونحو ذلك . والمقتصد الذي يصلي في الوقت - كما أمر - والسابق بالخيرات الذي يصلي الصلاة بواجباتها ومستحباتها ويأتي بالنوافل المستحبة معها . وكذلك يقول مثل هذا في الزكاة والصوم والحج وسائر الواجبات . وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : التفسير على أربعة أوجه : تفسير تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلّا اللّه ، فمن ادعى علمه فهو كاذب . والصحابة أخذوا عن الرسول لفظ القرآن ومعناه كما أخذوا عنه السنة ، وإن كان من الناس من غيّر السنة ، فمن الناس من غير بعض معاني القرآن - إذ لم يتمكن من تغيير لفظه . وأيضا فقد يخفى على بعض العلماء بعض معاني القرآن ، كما خفي عليه بعض السنة ، فيقع خطأ المجتهدين من هذا الباب والله أعلم . وتقدم في مقدمة الكتاب بسط لهذا البحث فارجع إليه . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضا في تحقيق هذه الآية : « كل عبد مضطر دائما إلى مقصود هذا الدعاء وهو هداية الصراط المستقيم . فإنه لا نجاة من العذاب إلّا بهذه الهداية ، ولا وصول إلى السعادة إلّا به ، فمن فاته هذا الهدى فهو : إما من المغضوب عليهم ، وإما من الضالين ، وهذا الاهتداء لا يحصل إلّا بهدى الله مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [ الكهف : 17 ] . فإن الصراط المستقيم : أن تفعل في كل وقت ما أمرت به في ذلك الوقت من علم وعمل ، ولا تفعل ما نهيت عنه . وهذا يحتاج في كل وقت إلى أن تعلم : ما أمر به في ذلك الوقت ، وما نهى عنه ، وإلى أن يحصل لك إرادة جازمة لفعل المأمور ، وكراهة لترك المحظور . والصراط المستقيم قد فسّر بالقرآن والإسلام وطريق العبودية ، وكل هذا حق ، فهو موصوف بهذا وبغيره ، فحاجته إلى هذه الهداية ضرورية في سعادته ونجاته ، بخلاف الحاجة إلى الرزق والنصر ، فإن الله يرزقه ، وإن انقطع رزقه مات - والموت لا بدّ منه - فإن كان من أهل الهداية ، كان سعيدا بعد الموت ، وكان الموت موصلا له إلى السعادة الدائمة الأبدية ، فيكون رحمة في حقه . وكذلك النصر - إذا قدّر أنه قهر وغلب حتى قتل - فإذا كان من أهل الهداية إلى الاستقامة مات شهيدا ، وكان القتل من تمام نعمة اللّه عليه . فتبين أن حاجة العباد إلى الهدى أعظم من حاجتهم إلى الرزق والنصر ، بل لا نسبة بينهما ، فلهذا كان هذا الدعاء مفروضا عليهم في الصلاة - فرضها ونفلها - وأيضا فإن هذا الدعاء يتضمن الرزق والنصر :