محمد جمال الدين القاسمي

233

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

باختلاف أنظارهم إلى أبعاض الهداية وجزئياتها ، والجميع يصح أن يكون مرادا بالآية - إذ لا تنافي بينها - وبالله التوفيق » كلام الراغب . وبه يعلم تحقيق معنى الهداية في سائر مواقعها في التنزيل الكريم ، وأن الوجوه المأثورة في آية ما - إذا لم تتناف - صح إرادتها كلها ، ومثل هذا يسمى : اختلاف تنوّع لا اختلاف تضادّ . كما أشار لذلك شيخ الإسلام تقيّ الدين بن تيمية رحمه الله تعالى في مبحث له مهم ، نأثره عنه هنا ، لما فيه من الفوائد الجليلة . قال رحمه الله : ينبغي أن يعلم أن الاختلاف الواقع من المفسرين وغيرهم على وجهين : أحدهما ليس فيه تضادّ وتناقض ، بل يمكن أن يكون كل منهما حقا ، وإنما هو اختلاف تنوع أو اختلاف في الصفات أو العبارات . وعامة الاختلاف الثابت عن مفسري السلف من الصحابة والتابعين هو من هذا الباب . فإن الله سبحانه إذا ذكر في القرآن اسما مثل قوله اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فكل من المفسرين يعبّر عن الصراط المستقيم بعبارة تدلّ بها على بعض صفاته ، وكل ذلك حق بمنزلة ما يسمى اللّه ورسوله وكتابه بأسماء ، كل اسم منها يدل على صفة من صفاته . فيقول بعضهم : الصراط المستقيم كتاب اللّه أو اتباع كتاب الله . ويقول الآخر : الصراط المستقيم هو الإسلام أو دين الإسلام . ويقول الآخر : الصراط المستقيم هو السنّة والجماعة . ويقول الآخر : الصراط المستقيم طريق العبودية ، أو طريق الخوف والرضا والحب ، وامتثال المأمور ، واجتناب المحظور ، أو متابعة الكتاب والسنّة ، أو العمل بطاعة اللّه ، أو نحو هذه الأسماء والعبارات . ومعلوم أن المسمى هو واحد ، وإن تنوعت صفاته وتعددت أسماؤه وعباراته ، وكثير من التفسير والترجمة تكون من هذا الوجه . ومنه قسم آخر وهو أن يذكر المفسر والمترجم معنى اللفظ على سبيل التمثيل لا على سبيل الحدّ والحصر - مثل أن يقول قائل من العجم : ما معنى الخبز ؟ فيشار له إلى رغيف - وليس المقصود مجرد عينه ، وإنما الإشارة إلى تعيين هذا الشخص تمثيلا . وهذا كما إذا سئلوا عن قوله : فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ [ فاطر : 32 ] . أو عن قوله : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [ النحل : 128 ] . أو عن الصالحين أو الظالمين ، ونحو ذلك من الأسماء العامة الجامعة التي قد يتعسّر أو يتعذّر على المستمع أو المتكلم ضبط مجموع معناه ، إذ لا يكون محتاجا إلى ذلك فيذكر له من أنواعه وأشخاصه ما يحصل به غرضه ، وقد يستدلّ به على نظائره . فإن الظالم لنفسه هو تارك المأمور فاعل المحظور . والمقتصد هو فاعل الواجب وتارك المحرّم . والسابق هو فاعل الواجب والمستحب وتارك المحرم والمكروه . فيقول المجيب بحسب حاجة السائل : الظالم الذي يفوّت الصلاة ، أو