محمد جمال الدين القاسمي
224
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
والأكثرون على أن الفاتحة مكية ، وأنها سبع آيات . وأصل معنى « السورة » لغة : المنزلة من منازل الارتفاع . ومن ذلك سور المدينة للحائط الذي يحويها ، وذلك لارتفاعه على ما يحويه . ومنه قول نابغة بني ذبيان : ألم تر أنّ الله أعطاك سورة * ترى كلّ ملك دونها يتذبذب أي منزلة من منازل الشرف التي قصرت عنها منازل الملوك . وأما « الآية » فإمّا بمعنى : العلامة - لأنها علامة يعرف بها تمام ما قبلها وابتداؤها ، كالآية التي تكون دلالة على الشيء يستدلّ به عليه - وإمّا بمعنى : القصّة - كما قال كعب بن زهير : ألا أبلغا هذا المعرّض آية : * أيقظان قال القول ، إذ قال ، أم حلم أي رسالة مني ، وخبرا عني - فيكون معنى الآيات « القصص » قصة تتلو قصة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الفاتحة ( 1 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) قال الإمام ابن جرير : إن الله ، تعالى ذكره ، وتقدست أسماؤه ، أدّب نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلّم : بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله ، وتقدم إليه في وصفه بها قبل جميع مهماته ، وجعل - ما أدّبه به من ذلك ، وعلّمه إياه - منه لجميع خلقه : سنّة يستنّون بها ، وسبيلا يتبعونه عليها ، فبه افتتاح أوائل منطقهم ، وصدور رسائلهم وكتبهم وحاجاتهم ، حتى أغنت دلالة ما ظهر ، من قول القائل : بسم الله ، على ما بطن من مراده الذي هو محذوف . وذلك أن الباء مقتضية فعلا يكون لها جالبا ، فإذا كان محذوفا يقدّر بما جعلت التسمية مبدأ له . والاسم هنا بمعنى التسمية - كالكلام بمعنى التكليم ، والعطاء بمعنى الإعطاء - والمعنى : أقرأ بتسمية الله وذكره ، وأفتتح القراءة بتسمية الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى . و اللَّهِ علم على ذاته ، تعالى وتقدس . قال ابن عباس : هو الذي يألهه كلّ شيء ويعبده وأصله « إلاه » بمعني مألوه أي معبود ، فلما أدخلت عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفا لكثرته في الكلام ، وبعد الإدغام فخّمت تعظيما - هذا تحقيق اللغويين .