محمد جمال الدين القاسمي

225

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

و الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال الجوهريّ : هما اسمان مشتقان من الرحمة . ونظيرهما في اللغة « نديم وندمان » وهما بمعنى . ويجوز تكرير الاسمين إذا اختلف اشتقاقهما على جهة التوكيد ، كما يقال : جادّ مجدّ إلّا أن الرَّحْمنِ اسم مخصص بالله لا يجوز أن يسمى به غيره . ألا ترى أنه قال : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [ الإسراء : 110 ] فعادل به الاسم الذي لا يشركه فيه غيره . وقد ناقش في كون الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بمعنى واحد ، العلّامة الشيخ محمد عبده المصريّ في مباحثه التفسيرية قائلا : إن ذلك غفلة نسأل الله أن يسامح صاحبها - ثم قال : - وأنا لا أجير لمسلم أن يقول ، في نفسه أو بلسانه : إن في القرآن كلمة جاءت لتأكيد غيرها ولا معنى لها في نفسها ، بل ليس في القرآن حرف جاء لغير معنى مقصود . والجمهور : على أن معنى الرحمن المنعم بجلائل النعم ، ومعنى الرحيم المنعم بدقائقها . وبعضهم يقول : إن الرحمن هو المنعم بنعم عامة تشمل الكافرين مع غيرهم ، والرحيم المنعم بالنعم الخاصة بالمؤمنين . وكل هذا تحكم باللغة مبنيّ على أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى . ولكن الزيادة تدل على الوصف مطلقا ، فصيغة الرَّحْمنِ تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه ، سواء كان جليلا أو دقيقا . وأما كون أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأكثر حروفا أعظم من أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأقل حروفا ، فهو غير معنيّ ولا مراد ، وقد قارب من قال : إن معنى الرَّحْمنِ المحسن بالإحسان العام . ولكنه أخطأ في تخصيص مدلول الرحيم بالمؤمنين ، ولعل الذي حمل من قال : إن الثاني مؤكد للأول - على قوله هذا - هو عدم الاقتناع بما قالوه من التفرقة ، مع عدم التفطّن لما هو أحسن منه ، ثم قال : والذي أقول : إن لفظ « رحمن » وصف فعليّ فيه معنى المبالغة - كفعّال - ويدل في استعمال اللغة على الصفات العارضة - كعطشان وغرثان وغضبان - وأما لفظ « رحيم » فإنه يدل في الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا في الناس - كعليم وحكيم وحليم وجميل - والقرآن لا يخرج عن الأسلوب العربيّ البليغ في الحكاية عن صفات الله عز وجل التي تعلو عن مماثله صفات المخلوقين ، فلفظ الرَّحْمنِ يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل وهي إفاضة النعم والإحسان ، ولفظ الرَّحِيمِ يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان ، وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة ، وبهذا المعنى لا يستغنى بأحد الوصفين عن الآخر ، ولا يكون الثاني مؤكّدا للأول . فإذا سمع العربيّ وصف الله جلّ ثناؤه ب الرَّحْمنِ ، وفهم منه أنه المفيض للنعم فعلا ، لا يعتقد منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائما - لأن الفعل قد