محمد جمال الدين القاسمي
222
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
على أدقّ دقيق لتفهم العامة من جليّها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة ، ويفهم الخواصّ من أثنائها ما يوفي على ما أدركه فهم الحكماء . وعلى هذا النحو قال عليه السلام « إنّ لكلّ آية ظهرا وبطنا ولكلّ حرف حدا ومطلعا » « 1 » ، لا على ما ذهب إليه الباطنية . ومن هذا الوجه كل من كان حظه في العلوم أوفر ، كان نصيبه من علم القرآن أكثر . ولذلك ، إذا ذكر تعالى حجة إلى ربوبيته ووحدانيته أتبعها مرة بإضافتها إلى أولي العقل ، ومرّة إلى أولي العلم ، ومرّة إلى السامعين ومرّة إلى المفكرين ، ومرّة إلى المتذكرين تنبيها على أن بكلّ قوة من هذه القوى يمكن إدراك حقيقة منها ، وذلك نحو قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * [ الرعد : 4 ] وغيرها من الآيات . شرف علم التفسير قال الإمام الراغب الأصفهانيّ في مقدّمة تفسيره : « أشرف صناعة يتعاطاها الإنسان تفسير القرآن وتأويله . وذلك أن الصناعات الحقيقية إنما تشرف بأحد ثلاثة أشياء : إمّا بشرف موضوعاتها ، وهي المعمول فيها ، نحو أن يقال : الصياغة أشرف من الدباغة لأنّ موضوعها - وهو الذهب والفضة - أشرف من جلد الميتة - الذي هو موضوع الدباغة - وإمّا بشرف صورها ، نحو أن يقال : طبع السيوف أشرف من طبع القيود . وإمّا بشرف أغراضها وكمالها ، كصناعة الطب - التي غرضها إفادة الصحة - فإنها أشرف من الكناسة - التي غرضها تنظيف المستراح « فإذا ثبت ذلك ، فصناعة التفسير قد حصل لها الشرف من الجهات الثلاث ، وهو أنّ موضوع التفسير كلام الله تعالى : الذي هو ينبوع كل حكمة ، ومعدن كل فضيلة ، وصورة فعله : إظهار خفيات ما أودعه منزله من أسراره ليدّبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ، وغرضه التمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، والوصول إلى السعادة الحقيقية التي لا فناء لها . ولهذا عظّم الله محله بقوله : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [ البقرة : 269 ] قيل : هو تفسير القرآن » انتهى .
--> ( 1 ) أورد السيوطي ، في الإتقان في علوم القرآن ، 2 / 184 . قال الفريابي : حدثنا سفيان عن يونس بن عبيد عن الحسن قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم « لكل آية ظهر وبطن ، ولكل حرف حدّ ، ولكل حد مطلع » .