محمد جمال الدين القاسمي
208
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ولا يخرجون - لإظهار البراعة في تحصيلها - عن حدّ الإكثار من القول ، واختراع الوجوه من التأويل ، والإغراب في الإبعاد عن مقاصد التنزيل . إن الله تعالى لا يسألنا يوم القيامة عن أقوال الناس ، وما فهموه ، وإنما يسألنا عن كتابه الذي أنزله لإرشادنا وهدايتنا ، وعن سنة نبيه الذي بيّن لنا ما نزل إلينا وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [ النحل : 44 ] . يسألنا : هل بلغتكم الرسالة ؟ هل تدبّرتم ما بلّغتم ؟ هل عقلتم ما عنه نهيتم وما به أمرتم ؟ وهل عملتم بإرشاد القرآن . واهتديتم بهدي النبيّ ، واتبعتم سنته ؟ عجبا لنا ! ننتظر هذا السؤال ، ونحن في هذا الإعراض عن القرآن وهديه . . . ! فيا للغفلة والغرور . معرفتنا بالقرآن كمعرفتنا بالله تعالى . أول ما يلقّن الوليد عندنا من معرفة الله تعالى هو اسم « الله » تبارك وتعالى ، يتعلمه بالأيمان الكاذبة ، كقوله : والله لقد فعلت كذا وكذا ، والله ما فعلت كذا . . . وكذلك القرآن ! يسمع الصبيّ ممن يعيش معهم : أنه كلام الله تعالى ، ولا يعقل معنى ذلك ، ثم لا يعرف من تعظيم القرآن إلا ما يعظمه به سائر المسلمين الذين يتربّى بينهم ، وذلك بأمرين : أحدهما : اعتقاد أنّ آية كذا إذا كتبت ومحيت بماء وشربه صاحب مرض كذا ، يشفى ! وأنّ من حمل القرآن لا يقربه جنّ ولا شيطان ! ويبارك له في كذا وكذا . . . إلى غير ذلك مما هو مشهور ومعروف للعامة أكثر مما هو معروف للخاصة . . . ! ومع صرف النظر عن صحة هذا وعدم صحته ، نقول : إنّ فيه مبالغة في التعظيم عظيمة جدا ، ولكنها - ويا للأسف . . . ! - لا تزيد عن تعظيم التراب الذي يؤخذ من بعض الأضرحة ابتغاء هذه المنافع والفوائد نفسها . . ! ونحو هذا ما يعلق على الأطفال من التعاويذ والتناجيس : كالخرق ، والعظام ، والتمائم المشتملة على الطلسمات والكلمات الأعجمية المنقولة عن بعض الأمم الوثنية . . . ! هذا الضرب من تعظيم القرآن نسميه - إذا جرينا على سنة القرآن - عبادة للقرآن لا عبادة لله به ! ثانيهما : الهمزة ، والحركة المخصوصة ، والكلمات المعلومة . . . . التي تصدر ممن يسمعون القرآن إذا كان القارئ رخيم الصوت ، حسن الأداء ، عارفا بالتطريب على أصول النغم . . والسبب في هذه اللذة والنشوة هي حسن الصوت والنغم ، بل أقوى سب