محمد جمال الدين القاسمي
209
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لذلك هو بعد السامع عن فهم القرآن . . . ! وأعني بالفهم : ما يكون عن ذوق سليم تصيب أساليب القرآن بعجائبها ، وتملكه مواعظها ، فتشغله عمّا بين يديه مما سواه . لا أريد الفهم المأخوذ بالتسليم الأعمى من الكتب أخذا جافا ، لم يصحبه ذلك الذوق وما يتبعه من رقّة الشعور ولطف الوجدان اللذين هما مدار التعقل والتأثر والفهم والتدبر . . . لهذا كلّه ، يمكننا أن نقول : إن الجاهلية اليوم أشدّ من الجاهلية والضالين في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأن من أولئك من قال الله تعالى فيهم : يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ * [ البقرة : 146 ] ، ومعرفة الحقّ أمرّ عظيم شريف . . . ! نعم ، ربما كان إثم صاحبها مع الجحود أشد ، ولكنه يكون دائما ملوما من نفسه على الإعراض عن الحقّ . وهذا اللوم يزلزل ما في نفسه من الإصرار على الباطل . كان البدويّ راعي الغنم يسمع القرآن فيخرّ له ساجدا لما عنده من رقّة الإحساس ولطف الشعور . . . ! فهل يقاس هذا بأيّ متعلم اليوم ؟ أرأيت أهل جزيرة العرب كيف انضووا إلى الإسلام بجاذبية القرآن لما كان لهم من دقّة الفهم التي كانت سبب الانجذاب إلى الحقّ . . ! - وأشار الأستاذ هنا إلى البنت الأعرابية التي فطنت لاشتمال الآية على أمرين ونهيين وبشارتين - ومجمل الخبر : أنّ الأصمعي قال : سمعت بنتا من الأعراب خماسية أو سداسية تنشد : أستغفر الله لذنبي كلّه * قتلت إنسانا بغير حلّه مثل غزال ناعم في دلّه * وانتصف الليل ولم أصلّه فقلت لها : قاتلك الله ما أفصحك ! فقالت : ويحك ! أيعدّ هذا فصاحة مع قوله تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ ، فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي ، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ القصص : 7 ] فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وبشارتين . . . ! لما رأى علماء المسلمين في الصدر الأول تأثير القرآن في جذب قلوب الناس إلى الإسلام ، وأنّ الإسلام لا يحفظ إلّا به ، ولما كان العرب قد اختلطوا بالعجم ، وفهم من دخل في الإسلام من الأعاجم ما فهمه علماء العرب ، أجمع كلّ على وجوب حفظ اللغة العربية ، ودوّنوا لها الدواوين ، ووضعوا لها الفنون .