محمد جمال الدين القاسمي

188

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

مشهورة مستفاضة . ألا ترى أنهم لم يعدوا إثبات ياءات الزوائد وحذف ياء تَسْئَلْنِي [ الكهف : 70 ] ، في الكهف : وقراءة ( وأكون من الصالحين ) والظاء من بِضَنِينٍ [ التكوير : 24 ] ونحو ذلك ، من مخالف الرسم المردود . فإن الخلاف في ذلك يغتفر ، إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد ، وتمشية صحة القراءة وشهرتها وتلقيتها بالقبول - وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتى لو كانت حرفا من حروف المعاني ، فإن حكمه في حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه . وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته . مدار القراءات على صحة النقل لا على الأقيس ، عربية قال الداني في جامع البيان : أئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية . بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل والرواية . إذا ثبتت عنهم لم يردها قياس عربية ولا فشوّ لغة . لأن القراءة سنة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها . ذكر من ذهب إلى أن مرجع القراءات ليس هو السماع بل الاجتهاد يفهم من مواضع من الكشاف اعتماده أن مرجع القراءات اجتهاد الأئمة القارئين . ولذلك جاء في سورة الكهف عند آية هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [ الكهف : 44 ] ما مثاله : وقرأ عمرو بن عبيد بالنصب على التأكيد كقولك : هذا عبد الله الحقّ لا الباطل . وهي قراءة سنة فصيحة ، وكان عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم . فكتب الناصر في الانتصاف يتعقبه ما مثاله : قد تقدم الإنكار عليه في مثل هذا القول ، فإنه يوهم أن القراءات موكولة إلى رأي الفصحاء واجتهاد البلغاء ، فتتفاوت في الفصاحة لتفاوتهم فيها ، وهذا منكر شنيع . والحق أنه لا يجوز لأحد أن يقرأ إلا بما سمعه فوعاه متصلا بفلق فيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، منزلا كذلك من السماء ، فلا وقع لفصاحة الفصيح . وإنما هو ناقل كغيره . ولكن الزمخشري لا يفوته الثناء على رأس البدعة ومعدن الفتنة . فإن عمرو بن عبيد أول مصمم على إنكار القدر وهلم جرّا إلى سائر البدع الاعتزالية . فمن ثم أثنى عليه . يعني بما تقدم له ، ما ذكره في سورة الأنعام في آية وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [ الأنعام : 137 ] ، وذلك أن الزمخشري قال هناك : وأما قراءة ابن عامر : قتل أولادهم شركائهم . برفع القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء على إضافة القتل إلى الشركاء