الشيخ محمد رشيد رضا

7

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لوظيفة الرسول وهي انذار من أصر على شركه وما يتبعه من الكفر والمعاصي بالعذاب الأليم ، وتبشير من آمن واتقى بالسعادة والنعيم المقيم ، وقدم الانذار لأن الخطاب وجه أولا إلى المشركين كنظيره في سورة يونس وأمثالهما من السور المكية كسورة الكهف ، والمبلغ هذا هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم * * * 3 - وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ هذا عطف على ما قبله ، أي وأن اسألوه أن يغفر لكم ما كان من الشرك والكفر والاجرام والظلم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ أي ثم ارجعوا اليه من كل إعراض - عنه وعن آياته - يعرض لكم بترك واجب أو فعل محرم ، نادمين منيبين مصلحين لما أفسدتم ، مستدركين ما قصرتم ، عطف التوبة بثم لأن مرتبة العمل متأخرة عن مرتبة القول ، فكم من مستغفر وهو مصر على الذنب ، وسيأتي مثله في قصة كل من هود وصالح وشعيب يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً المتاع كل ما ينتفع به في المعيشة وحاجة البيوت ، والامتاع والتمتيع إعطاء ما يتمتع به تمتعا طويلا ممتدا ، وأما وصفه تعالى لمتاع الدنيا وتمتع أهلها بها بالقليل فهو بالإضافة إلى حياة الآخرة ، والمعنى إن تستغفروا ربكم عند كل ذنب ، وتتوبوا اليه من كل إعراض عن هدايته ، وتنكب عن سنته ، يمتعكم في دنياكم متاعا حسنا مرضيا ممتدا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى عنده وهو العمر المقدر لكم في علمه ، المكتوب في نظام الخليقة وسنن الاجتماع البشري في عباده ، فلا يقطعه اهلاككم بعذاب الاستئصال ، ولا بفساد العمران وسلب الاستقلال ، ولا ينغصه كل ما ينغص حياة الكفار ، وذلك أن لتنغيص الحياة في الدنيا وسلب النعم من أهلها أسبابا ترجع كلها إلى الاصرار على الكفر والذنوب المحرمة ، وهي لم تكن محرمة إلا لأنها ضارة مفسدة للدين أو مزيلة للحياة أو للعقل أو للصحة أو لنظام الاجتماع المالي والمدني ، وانما تكون مفسدة باصرار فاعليها عليها ، فإذا كان من تعرض له يندم ويبادر إلى التوبة من قريب ويصلح ما نجم من فسادها بالعمل المضاد له ، امتنع ذلك الفساد وزال أثره ، ولهذا اشترط في التوبة المقبولة ما اشترط ووصفت في القرآن بما وصفت كقوله تعالى ( 4 : 17 إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ