الشيخ محمد رشيد رضا
8
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ) وقوله ( 5 : 392 فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ) وفي معناه آيات أخرى وقوله ( 3 : 135 وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ؟ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وقد سبق تفسيرها في مواضعها وهذه السنة الربانية مطردة في ذنوب الأمم المقصودة بالقصد الأول من هذا الخطاب ، وهي فيها أظهر منها في ذنوب الافراد ( كما بيناه في مواضع عديدة من هذا التفسير ) فالأمم التي تصر على الظلم والفساد والفسوق والعصيان ، يهلكها اللّه تعالى في الدنيا بالضعف والشقاق وخراب العمران ، حتى تزول منعتها ، وتتمزق دولتها ، فتنقرض أو تستولي عليها دولة أخرى ، فهذا معروف في تواريخ الأمم من أحوالها العامة في كل عصر ، وأما أقوام الرسل عليهم السّلام في عصورهم فقد أهلك اللّه المصرين منهم على الكفر والعناد ، بعد قيام الحجة عليهم بعذاب الخزي والاستئصال ، كما بيناه في مواضعها وأقربها عهدا أواخر سورة يونس عليه السّلام ، والآية تتضمن نجاة هذه الأمة المحمدية من عذاب الاستئصال كما بيناه في تفسير سورة يونس أيضا ، وسنعود إلى بيان هذا في تفسير الآيات ( 100 - 103 ) التي ختمت بها قصص الرسل من هذه السورة وأما قوله تعالى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ فهو عام مطلق في جزاء الافراد في الآخرة ، مقيد في جزائهم في الدنيا ، ومعناه مع الذي قبله إنكم أيها المخاطبون بهذه الآيات من قوم محمد رسول اللّه وخاتم النبيين ، إن تجتنبوا الشرك وتؤمنوا باللّه ورسوله وتستغفروا ربكم ، وتتوبوا اليه عقب كل ذنب يقع منكم ، يمتعكم بجملتكم ومجموعكم متاعا حسنا تكونون به خير الأمم نعمة وقوة وعزة ودولة ، ويعط كل ذي فضل من علم وعمل جزاء فضله في الآخرة مطردا كاملا ، وأما في الدنيا فقد يكون هذا الجزاء جزئيا ناقصا ، ومشوبا لا خالصا ، ولا يكون عاما كاملا مطردا لقصر أعمار الافراد ، والتعارض والترجيح في سنن الأسباب والمسببات ، وهذا من أدلة البعث وجزاء الآخرة الذي يظهر فيه عدله تعالى كاملا شاملا