الشيخ محمد رشيد رضا
5
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إنزال سورة منسوخة محال في نفسه ، فلا معنى إذا لنفيه ، وحملوه في الثالثة على ما يقابل المتشابه وهو صحيح ، ولكنهم اختلفوا في معنى كل منهما وأشهر الأقوال عند أهل الكلام والأصول فيهما مخالف لمدلول اللغة وللمروي عن جمهور السلف الذي هو الحق . قال السيد الجرجاني في الأول : لمحكم ما أحكم المراد به عن التبديل والتغيير أي التخصيص والتأويل والنسخ ، مأخوذ من قولهم : بناء محكم ، أي متقن مأمون الانتقاض ، وذلك مثل قوله تعالى ( أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) * والنصوص الدالة على ذات اللّه وصفاته لان ذلك لا يحتمل النسخ ، فان اللفظ إذا ظهر منه المراد فإن لم يحتمل النسخ فهو محكم ، وإلا فإن لم يحتمل التأويل فمفسر ، وإلا فان سيق الكلام لأجل ذلك المراد فنص ، وإلا فظاهر ، وإذا خفي لعارض أي لغير الصيغة فخفي ، وان خفي لنفسه أي لنفس الصيغة وأدرك عقلا فمشكل ، أو نقلا فمجمل ، أو لم يدرك أصلا فمتشابه ا ه وقال في الثاني : المتشابه ما خفي بنفس اللفظ ولا يرجى دركه أصلا كالمقطعات في أول السور ، وقال التاج السبكي في جمع الجوامع : والمتشابه ما استأثر اللّه بعلمه وقد يطلع عليه بعض أصفيائه ا ه وكلا القولين خطأ كما يعلم مما فسرنا به الآية في الجزء الثاني . وقال السيد في تعريف التأويل : هو في الأصل الترجيح وفي الشرع صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله إذا كان المحتمل الذي يراه موافقا بالكتاب والسنة مثل قوله تعالى ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ) * ان أراد به اخراج الطير من البيضة كان تفسيرا ، وان أراد اخراج المؤمن من الكافر أو العالم من الجاهل كان تأويلا ا ه وقال التاج السبكي : الظاهر ما دل دلالة ظنية ، والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح ، فان حمل لدليل فصحيح أو لما يظن دليلا ففاسد ، أولا لشيء فلعب لا تأويل ا ه هذا الاصطلاح المفصل لهذه الكلمات فيه ما ترى - في كتب الأصول - من قيل وقال ، ومذاهب وجدال ، وهو ما لم يكن يخطر في بال أحد من العرب عند قراءتها في كتاب اللّه تعالى ، بل كانوا يفهمونها بمدلولها اللغوي المحض ، فأما المحكم فهو ما تقدم