الشيخ محمد رشيد رضا
4
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
التنوين ) جعلت آياته محكمة النظم والتأليف ، واضحة المعاني بليغة الدلالة والتأثير ، فهي كالحصن المنيع ، والقصر المشيد الرفيع ، في إحكام البناء ، وما يقصد به من الحفظ والايواء مع حسن الرواء ، فهي لظهور دلالتها على معانيها ووضوحها لا تقبل شكا ولا تأويلا ، ولا تحتمل تغييرا ولا تبديلا ، ثُمَّ فُصِّلَتْ أي جعلت فصولا متفرقة في سوره ببيان حقائق العقائد ، والأحكام والحكم والمواعظ ، وسائر ما أنزل الكتاب له من الفوائد ، كما يفصل الوشاح أو العقد بالفرائد ، فالاحكام والتفصيل فيه مرتبتان من مراتب البيان مجتمعتان ، لا نوعان منه متفرقان يختلفان في الزمان ، أو فصلت بعد الاجمال ، كما ترى في القصص القصار والطوال ، وقد أبهما ببناء فعليهما للمفعول ، ثم بينا بجعلهما مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ وهو أبلغ من اسنادهما اليه ابتداء ، أي من عند حكيم كامل الحكمة هو الذي أحكمها ، وخبير تام الخبرة هو الذي فصلها ، ولدن ظرف مكان أخص من « عند » وأبلغ . وهو بفتح فضم ( كعضد ) مبني على السكون هذا ما يتبادر إلى فهم العربي القح من عبارة الآية ، فإذا عرضته على ما جاء في القرآن من حرفي الإحكام والتفصيل وجدت فيه من الحرف الأول ثلاث كلمات ( الأولى ) قوله تعالى في سورة الحج ( 22 : 5 فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ ) ( والثانية ) قوله تعالى في سورة القتال ( 47 : 20 وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ : فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ ) الآية - والثالثة قوله تعالى في سورة آل عمران ( 3 : 7 هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ) ووجدت الإحكام في كل منهن بالمعنى اللغوي الذي بيناه آنفا . وقد حمل المقلدون المحكم في الآية الثانية على ما يقابل المنسوخ في اصطلاحهم ، فقالوا سورة محكمة غير منسوخة ، وهذا الحمل غير صحيح وان كان المراد منه صحيحا ، فان هذا الاصطلاح ليس من أصل اللغة ولا من عرف القرآن ، بل وضع بعد عصر نزوله ، والآية الأولى حجة على هذا فان النسخ فيها غير النسخ الأصولي ، ولا يصح ان يكون المعنى فإذا أنزلت سورة غير منسوخة لا كلها ولا بعضها ، لان