الشيخ محمد رشيد رضا
15
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اتباعه بالسعي والطلب مانعا من إدراكه ، والتولي عنه بالقعود والكسل ، والتمني دون العمل ، من الضرورات المقتضية لنيله ، فيكون تأييد زعمه أو تقريبه بما ينبغي بل بما يجب من الوثوق اللّه وربط القلب به والايمان بمشيئته ، من ربط العلم بالجهل ، وتأييد الباطل بكلمة الحق ، فالثقة باللّه تعالى والايمان بمشيئته لا يصحان مع الجهل بمعناهما ومواضع تعلقهما ، وقد علم بنصوص القرآن وبسنن اللّه تعالى في الخلق وأسباب الرزق ، أن مشيئه تعالى لا تكون الا بمقتضى سننه في ارتباط الأسباب بالمسببات وحكمته فيها كما فصلناه مرارا في مواضعه من هذا التفسير ، والجهل بهذا مما أفسد على المسلمين دنياهم ودينهم ، وأضاع جل ملكهم ، وجعل جماهيرهم عالة على غيرهم وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها أي وما من دابة في الأرض إلا ويعلم اللّه مستقرها حيث تستقر وتقيم ، ومستودعها حيث تكون مودعة إلى حين ، فهو يرزقها في كل حال بحسبه وقد بينا معنى الكلمتين في اللغة وما ورد في تفسيرهما من الآثار في تفسير ( 6 : 100 وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ) فراجعها إن شئت في ص 638 - 640 من الطبعة الثانية للجزء السابع من التفسير ، وقد لخص البيضاوي جملة الأقوال في مستقرها ومستودعها كعادته بقوله : أماكنها في الحياة والممات أو الاصلاب والارحام أو مساكنها من الأرض حين وجدت ومودعها من المواد والمقار حين كانت بعد بالقوة كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي كل واحد من الدواب وأرزاقها ومستقرها ومستودعها ثابت مرقوم في كتاب مبين ولوح محفوظ ، كتب اللّه فيه مقادير الخلق كلها فهو عنده تحت العرش كما ثبت في الصحيح ، وقد بينا ما ورد في هذا الكتاب مجملا في تفسير ( 7 : 38 وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ) ثم مفصلا في تفسير آية مفاتح الغيب وهي 59 من هذه السورة ( الانعام ) فراجعها في ج 7 أيضا * * * 7 وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ من أيام اللّه تعالى في الخلق والتكوين وما شاء من الأطوار ، لا من أيامنا في هذه الدار التي وجدت