الشيخ محمد رشيد رضا

16

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بهذا الخلق لا قبله ، فلا يصح أن تقدر أيام اللّه بأيامها كما توهم الغافلون عن هذا وما يؤيده من قوله ( وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) وقوله ( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) وقد ثبت في علم الهيئة الفلكية ان أيام غير الأرض من الدراري التابعة لنظام شمسنا هذه تختلف عن أيام هذه الأرض في طولها ، بحسب اختلاف مقادير أجرامها وأبعادها وسرعتها في دورانها ، وأن أيام التكوين بخلقه من الدخان المعبر عنه بالسديم شموسا مضيئة ، تتبعها كواكب منيرة ، يقدر اليوم منها بألوف الألوف من سنينا بل من سني سرعة النور أيضا ، وقد سبق مثل هذه الجملة في سورتي الأعراف 7 : 54 ويونس 11 : 3 وذكر بعدها استواء الخالق تعالى على عرشه ، وتدبيره لأمر ملكه . وأما هنا فقال بعدها فيهما وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ أي وكان سرير ملكه في أثناء هذا الطور من خلق هذا العالم أو من قبله على الماء . وقد بينا في تفسير آيتي الأعراف ويونس المشار اليهما آنفا أن المعنى الكلي المفهوم من العرش انه مركز نظام الملك ومصدر التدبير له ، وان المتبادر في الاستعمال اللغوي استعمالهم : استوى على عرشه بمعنى ملك أو استقام أمر الملك له ، و : ثلّ عرشه بمعنى هلك وزال ملكه ، ونحن نعلم أن عروش ملوك البشر تختلف مادة وشكلا وهي من عالم الشهادة وصنع أيدي البشر ، كذلك يختلف النظام للتدبير الذي يصدر عنها ، وهو من جنس ما يعلم البشر في عالمنا هذا ، فعرش ملكة سبأ العربية العظيم ، كان أعظم من عرش سليمان ملك إسرائيل ، ولكن تدبيرها وحكمها الشوري ( الديمقراطي ) كان دون حكمه الشرعي الديني ، ورب عرش من الذهب ، وعرش من الخشب ، وأما عرش الرحمن عز وجل فهو من عالم الغيب الذي لا تدركه بحواسنا ، ولا نستطيع تصويره بأفكارنا ، فأجد ربنا أن لا نعلم كنه استوائه عليه ، وصدور تدبيره لأمر هذا الملك العظيم عنه ، وحسبنا أن نفهم الكناية ، ونستفيد العبرة ، فما أجهل الذين تصدوا لتأويل هذه الحقائق الغيبية ، بأقيستهم وآرائهم البشرية ! وما أحسن ما روي عن أم سلمة ( رض ) وربيعة ومالك ( رح ) من قولهم : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، الخ ما تقدم في تفسير آية الأعراف وأما قوله تعالى ( وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ) فنفهم منه أن الذي كان دون هذا العرش