الشيخ محمد رشيد رضا
9
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وبهذا التفسير الذي وفقنا اللّه تعالى له يظهر ما بيناه مرارا من أن ثمرة الدين سعادة الدنيا والآخرة كلتيهما ، وقد غفل عنه المفسرون الذين يعارضون أمثال هذه النصوص بما جعلوه أصلا يرجعونها اليه بالتأويل كأحاديث ذم الدنيا وتسميتها « سجن المؤمن وجنة الكافر » وما يصح منها كهذا الحديث فهو محمول على النسبة بينهما بالإضافة إلى حال كل منهما في الدنيا والآخرة ، وحديث « أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل » وهو صحيح أيضا ، والبلاء الاختبار - يكون في النعم والنقم ، والخير والشر - يظهر استعداد الناس لكل منهما كما تراه قريبا في تفسير الآية 7 فليس مما نحن فيه مما وعد اللّه به رسله وبلغوه أقوامهم وصدقه الواقع ، فكانت العاقبة للمؤمنين بهم في خلافة الأرض وملكها ونعيمها ما ثبتوا على ذلك ، ومنه هذه البشارة ويقابلها قوله تعالى في الانذار وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ أي وإن تتولوا « 1 » معرضين عما دعوتكم اليه من عبادة اللّه تعالى وعدم عبادة غيره ومن الاستغفار والتوبة من كل ذنب ، فاني أخاف عليكم عذاب يوم كبير هو له ، شديد بأسه ، وهو أن يصيبكم مثل ما أصاب أقوام الرسل الذين عاندوهم وأصروا على تكذيبهم وعصيانهم ، أو ما دونه من عذاب المصرين ، في إثر نصر الرسول والمؤمنين ، وهذه براعة استهلال للقصص المفصلة في هذه السورة ، وأكثر المفسرين على أن المراد باليوم الكبير يوم القيامة الذي يكون فيه الجزاء الأكبر وهو المشار اليه في الآية التالية : * * * 4 - إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ أي اليه تعالى رجوعكم بعد موتكم جميعا أمما وأفرادا لا يتخلف أحد منكم فتلقون جزاءكم تاما وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومنه بعثكم وحشركم وجزاؤكم قدم وصف الرسول بالنذير على وصفه بالبشير ، ثم قدم بشارة المؤمنين ، وأخر إنذار الكافرين المصرين تأليفا لهم ، لأن توالي الانذار منفر من الاستماع ، مغر بالتولي والاعراض ، على أن هذا التأليف لم يؤثر فيهم كما ترى في قوله تعالى :
--> ( 1 ) « تولوا » هذه أصلها تتولوا تحذف تاء المضارعة فيها وفي أمثالها للتخفيف