الشيخ محمد رشيد رضا

55

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الحفظ لها وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي وبشر أيها الرسول المؤمنين الموصوفين بهذه البضع الصفات . ولم يذكر ما يبشرهم به لتعظيم شأنه وشموله لخير الدنيا وسعادة الآخرة ومن مباحث اللغة ان المعدودات تسرد بغير عطف وانما عطف النهي عن المنكر على الامر بالمعروف للايذان بأنهما فريضة واحدة لتلازمهما في الغالب . واما عطف « الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ » على جملة ما تقدم فقيل لان التعداد قد تم بالوصف السابع من حيث إن السبعة هو العدد التام والثامن ابتداء عدد آخر معطوف عليه وان هذه الواو تسمى واو الثمانية . وأنكر هذه الواو النحاة المحققون ، وقيل لأنه اجمال لما تقدم من التفصيل قبله ، فلا يصح أن يجعل فردا من أفراده فيسرد معه . وأقوى منه عندي أنه وصف جامع للتكاليف عامة ، والمنهيات خاصة ، والسبعة المسرودة قبله من المأمورات ، ولا يحصل الكمال للمؤمن بها إلا مع اجتناب المنهيات ، وهو أول ما يلاحظ في حفظ حدود اللّه قال تعالى ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها * تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) وعلى هذا يكون معنى نظم الآية ان المؤمنين الكاملين الذين باعوا أنفسهم للّه تعالى هم المتصفون بالصفات السبع ، والحافظون مع ذلك لجميع حدود اللّه في كل أمر ونهي ، ويعبر عن هذا في عرف هذا العصر بقولهم : « المثل الاعلى » ويطلقونه على الافراد النابغين في بعض الفضائل العامة ، وعلى الجماعات والأمم الراقية ، ويكفى ان يقال فيه « المثل » في كذا . كما قال تعالى ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ) وقال ( وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ ) أو يقال : مثل عال ، أو مثل شريف . واما الاعلى فهو اللّه عز وجل كما قال عن نفسه ( وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى ) وقال ( وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) وجملة القول فيهم أنهم الحافظون لجميع حدود اللّه تعالى . وخصت تلك الخلال السبع بالذكر لأنها هي التي تمثل في نفس القارئ أكمل ما يكون المؤمن به محافظا على حدود اللّه تعالى