الشيخ محمد رشيد رضا
56
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 113 ) ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 114 ) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ، إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ( 115 ) وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 116 ) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ * * * تقدم في الآية الثمانين من هذه السورة ان اللّه تعالى لا يغفر للمنافقين لأنهم كفروا باللّه ورسوله الخ ، فاستغفار الرسول لهم وعدمه سيان . وتقدم في سورة النساء ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ * ( 4 : 48 و 116 ) وقد شرع اللّه للمؤمنين في أوائل سورة الممتحنة التأسي بإبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم والذين آمنوا معه في البراءة من قومهم المشركين ومن معبوداتهم واستثنى من هذه الأسوة استغفار إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم لأبيه فقال ( إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من اللّه من شيء ) وقد بين هنا حكم الاستغفار لمن ذكر وقفى عليه بقاعدة التشريع العامة التي يبنى عليها الجزاء فقال عز وجل ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ هذا نفي بمعنى النهي ، فهو أبلغ من النهي المجرد ، وهذا التعبير فيه يسمي نفي الشأن ، وهو أبلغ من نفي الشيء نفسه ، لأنه نفي معلل بالسبب المقتضي له . والمعنى : ما كان من شأن النبي ولا مما يصح أن يصدر عنه من حيث هو نبي - ولا من شأن المؤمنين ولا مما يجوز أن يقع منهم من حيث هم مؤمنون - أن يدعوا اللّه طالبين منه المغفرة للمشركين وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى لهم في الأصل حق البر وصلة الرحم . وكانت عاطفة