الشيخ محمد رشيد رضا
53
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وإذا صح ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه كانوا يصحبون نساءهم في غزواتهم عند الامكان ، وهن غير مكلفات بالقتال ، بل يساعدن عليه بتهيئة الطعام والشراب ، وتضميد الجراح وغير ذلك كما تقدم في تفسير ( 71 وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) ( 541 ج 10 ) فلأن يصحبنهم في سائر الاسفار أولى ، وفي سفر المرأة مع زوجها احصان له ولها ، فهو مانع للمسلم من التطلع في السفر إلى غيرهما وعلل سفيان بن عيينة تفسير السائحين بالصائمين بان الصائم يترك اللذات كلها كالسائح للتعبد ، ومثله أو منه قول الأزهري : يسمى الصائم سائحا لأن الذي يسيح في الأرض متعبدا لا يحمل زادا فكان ممسكا عن الاكل . ولهذا التعليل خص بعضهم اطلاق وصف السائحين على الصائمين بالذين يديمون الصيام ، وأخذ بعضهم بظاهر اللفظ ، فقال يكفى في صحة لوصف صيام الفرض ، وكل ذلك ضعيف والصوفية يخصون السائحين الممدوحين بالذين يهيمون في الأرض لتربية إرادتهم ، وتهذيب أنفسهم باحتمال المشاق ، والبعد عن مظان السمعة والرياء ، لجمع القلب على الرب عز وجل بالاخلاص في عبادته ، والتكمل في منازل معرفته ، كالسياحين من الأمم قبلهم ، وقد كان اطلاق السياحة بهذا المعنى ذائعا من قبل الاسلام حتى قال صاحب القاموس : السياحة الذهاب في الأرض للعبادة ومنه سمي المسيح الخ واعترضوه فيه فإنما هو عرف ليس من أصل اللغة ، وتقدم معنى السياحة اللغوي في تفسير قوله تعالى ( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) وهو أول آية من هذه السورة ( ص 152 ج 10 ) وقد حدث للمتصوفة بدع في السياحة كقصد مشاهد القبور المنسوبة إلى الأنبياء والصالحين للتبرك بها ، والاستمداد من أرواح من دفنوا فيها ، وكثير منهم يكون له هوى في التنقل من بلد إلى آخر فيظل هائما في الاسفار ، وينقطع بذلك عن الاعمال التي تنفع الناس وعن الزواج ، ويرتكب بعضهم فيها كثيرا من المنكرات ، ويكون لهم طمع في استجداء الناس ، والسؤال حرام إلا لضرورة ، والفقهاء ينكرون عليهم سياحتهم هذه قال ابن الجوزي : السياحة في الأرض لا لمقصود ولا إلى مكان معروف