الشيخ محمد رشيد رضا
52
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الْعابِدُونَ للّه ربهم وحده مخلصين له الدين في جميع عباداتهم في عامة أوقاتهم ، لا يتوجهون إلى غيره بدعاء ولا استعانة ، ولا يتقربون إلى سواه بعمل مما يقصد به القربة ومثوبة الآخرة الْحامِدُونَ للّه ربهم في السراء والضراء بالثناء عليه بلفظ الحمد وغيره من الذكر المشروع الدال على الرضاء منه تعالى . ومهما يصب الانسان من مصائب الدنيا فإنه يبقى له من النعم فيها وفي الدين بل يبقى له من اللطف الإلهي في نفس المصائب ما يجب عليه أن يحمد اللّه ويشكره عليه ( وتقدم بيان الحمد والعبادة في تفسير سورة الفاتحة وغيرها ) السَّائِحُونَ في الأرض يجوبون الأقطار لغرض صحيح من علم أو عمل كالجهاد في سبيل اللّه ، وروي عن عطاء ، أو للهجرة حيث تشرع الهجرة وروي عن عبد الرحمن بن زيد ، قال السائحون هم المهاجرون ليس في أمة محمد سياحة إلا الهجرة . أو لطلب العلم النافع للسائح في دينه أو دنياه أو النافع لقومه وأمته وروي عن عكرمة وخصه بعضهم بطلب الحديث ( لأنهم كانوا يسافرون من مصر إلى أخرى للرواية ) أو للنظر في خلق اللّه وأحوال الشعوب والأمم للاعتبار والاستبصار ومعرفة سنن اللّه تعالى وحكمه وآياته ، وهذا ما تدل عليه الآيات المتعددة في الحث على السير في الأرض كما بيناه في الأصلين ( 13 و 14 ) من الأصول العلمية التي استنبطناها من سورة الأنعام ( ص 289 ج 8 ) وروي عن عبد اللّه بن مسعود ان المراد بالسائحين الصائمون وقاله في تفسير ( سائحات ) من سورة التحريم ، وتعلق به مصنفو التفاسير لاستبعادهم مدح اللّه تعالى النساء بالسياحة في الأرض ، وانما يحظر في الاسلام سفر المرأة منفردة دون زوجها أو أحد محارمها ، واما إذا كانت تسيح مع الزوج والمحرم حيث يسيح لغرض صحيح من علم نافع أو عمل صالح أو طلب الصحة أو الرزق فلا اشكال في مدحها بالسياحة . بل ينبغي اشتراك الرجال والنساء في جميع أعمال الحياة النافعة ، وأزيد على ذلك السياحة والسفر لطلب الرزق الحلال من تجارة وغيرها .