الشيخ محمد رشيد رضا
454
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وشفاعته ، فيقيسون تأثير عباد اللّه الصالحين عنده تعالى ، على تأثير أصدقاء الملوك والوجهاء ومعشوقيهم في قبولهم منهم جميع ما يطلبونه ، ويجهلون ان أفعال اللّه تعالى انما تجري بمقتضى مشيئته الأزلية على وفق علمه الذاتي المحيط وحكمته البالغة العادلة ، وان صفاته تعالى كاملة أزلية لا تؤثر فيها الحوادث ، وان جميع أوليائه وأنبيائه وملائكته عبيد مملوكون له ( 17 : 57 أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ) أي ان أقرب أولئك الذين يدعونهم ويتوسلون اليه تعالى بهم كالمسيح والملائكة ومن دونهم ، هم يتلوسلون اليه راجين خائفين ، لا كأعوان الملوك الذين لا يقوم أمر ملكهم بدونهم ، ومعشوقيهم الذين لا يتم تمتعهم الشهواني إلا بهم 67 * * * هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً هذا استدلال على مضمون ما قبله من نفي وجود شركاء له في الخلق والتقدير ، ولا بالشفاعة عنده في التصرف والتدبير ، أي هو الذي جعل لكم الوقت قسمين بمقتضى علمه ومشيئته بدون مساعد ولا شفيع ، بل بمحض الحكمة البالغة والرحمة الشاملة : أحدهما الليل جعله مظلما لأجل أن تسكنوا فيه بعد طول الحركة والتقلب في الأرض ، وتستريحوا من التعب في طلب الرزق ، وثانيهما النهار جعله مضيئا ذا إبصار لتنتشروا في الأرض ، وتقوموا بجميع أعمال العمران والكسب ، والشكر للرب ، فالمبصر هنا معطي الابصار سببه حسيا كان أو معنويا ، فالأول قوله تعالى ( 17 : 12 وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ) الآية - والثاني قوله في هذه السورة أيضا ( 59 وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً ) أي آية مفيدة للبصيرة والحجة على صدق رسولهم ، ومثله قوله في سورة النمل ( 27 : 13 فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ) وقال قطرب : تقول العرب : أظلم الليل وأبصر النهار وأضاء بمعنى صار ذا ظلمة وذا إبصار وذا ضياء اه وقد تكرر التذكير في التنزيل بآيات اللّه في الليل والنهار من خلقهما وتقديرهما ومنافع الناس فيهما ، وفي هذه الآية احتباك وهو انه حذف من كل من آيتي الليل والنهار ما أثبت مقابله في الأخرى والعكس . وفي قوله