الشيخ محمد رشيد رضا
453
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والمؤمنين به ومنه عز وجل ، كما قال ( وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ) وقرأ نافع ( يحزنك ) بضم الياء من أحزنه وهي لغة ، وقرئ ( أن العزة ) بفتح همزة ان لحذف لامها وهي للتعليل الذي تدل عليه قراءة الجمهور بالكسر على الاستئناف البياني . هُوَ السَّمِيعُ لما يقولون من تكذيب بالحق وادعاء للشرك الْعَلِيمُ بما يفعلون من إيذاء وكيد ومكر ، فهو يذلهم ويحبط أعمالهم ، وهذا استئناف آخر في تقرير مضمون الأول وهو تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم وتأكيد وعده بالعزة ووعيد تكذيبه . ثم استدل على كون العزة له جميعا والجزاء بيده بقوله مستأنفا أيضا ومفتتحا بأداة التنبيه 66 * * * أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ من عابد ومعبود فهو ربهم ومالكهم وهم عبيده المربوبون المملوكون له وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ له في ربوبيته وملكه ، أي ان هؤلاء المشركين الذين يعبدون غير اللّه بدعائهم في الشدائد ، واستغاثتهم في النوازل ، والتقرب إليهم بالنذور والقرابين والوسائل ، لا يتبعون شركاء له في تدبير أمور عباده ينفعونهم أو يكشفون الضر عنهم إذ لا شركاء له ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ أي ما يتبعون في الحقيقة إلا ظنهم أن هؤلاء الذين يدعونهم أولياء للّه وشفعاء عنده ، فهم يتوسلون بهم وبتماثيلهم اليه ، لأنهم يقيسونه على ملوكهم الظالمين المتكبرين ، الذين لا يصل إليهم أحد من رعاياهم إلا بوسائل حجابه ووسائطه ووزرائه وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أي وما هم في اتباع هذا الظن الذي لا يغني من الحق شيئا ، إلا يخرصون خرصا ، أي يحزرون حزرا ، أو يكذبون كذبا ، أصل الخرص الحزر والتقدير للشيء الذي لا يجري على قياس من وزن أو كيل أو ذرع ، بل هو كخرص الثمر على الشجر والحب في الزرع ، ولكثرة الخطأ فيه أطلق على لازمه الغالب وهو الكذب ، فالظن الذي يبنى عليه يكون من أضعف الظن وأبعده عن الحق ، مثاله ما ذكرناه آنفا من قياس الرب في تدبير أمور عباده على الملوك ، وهذا قياس شيطاني سمعته من جميع طبقات الجاهلين لعقائد الاسلام ، وتوحيد الرحمن ، حتى من يلقبون بالعلماء وبالباشوات ، ومثله قولهم في وسائلهم الذين يسمونهم الأولياء : ان اللّه يحبهم ، وكل من يحب أحدا فإنه يقبل وساطته