الشيخ محمد رشيد رضا

441

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( استطراد ، في أصل الاسلام ، وما طرأ عليه من الفساد ) ( من طريق السياسة والفلسفة والتصوف ) أيها القارئ لهذا التفسير قد آن أن أصارحك بمسائل مختصرة هي ثمرة علم وعمل وعبادة ورياضة وتصوف وتعليم وتصنيف ومناظرات ومحاجة في مدة نصف قرن كامل ، لم يشغلني عنها من حظوظ الدنيا شاغل ، وانها لكلمات في حقيقة دين اللّه وعلمائه وعباده صادرة عن بصيرة وتجربة ، فتأملها باخلاص واستقلال فكر ، ولا يصدنك عن النظر فيها لذاتها والاعتماد في ثبوتها على مصادرها ، حرمان المعاصرة ، واحتقار الاحياء ، وتقديس شهرة الأموات ، واتهام قائلها بالغرور والدعوى ، فان عرض لك ريب أو شبهة في شيء منها فارجع إلى مصادرها ودلائلها ، أو ارجع إلى كاتبها فاسأله عنها ، بشرط أن يكون غرضك معرفة الحق لذاته ، دون التعصب والجدل ، أو التحرف لمذهب أو التحيز إلى فئة ( المسألة الأولى ) ان هذا الدين ( الاسلام ) وحي إلهي إلى نبي أمي ظهر في أمة أمية جاهلية ، ليعلمها الكتاب والحكمة ، ويزكيها بالعلم والعدل والفضيلة ، فيجعلها به معلمة وهادية لجميع شعوب التعطيل والأديان والفلسفة والحضارة ، وأن اللّه تعالى قد شهد في كتابه بأنه أكمل هذا الدين لعباده في آخر عمر نبيه ليس لأحد ان يزيد فيه بعده عقيدة ولا عبادة ولا تحريما دينيا مطلقا ، ولا تشريعا مدنيا ، الا ما أذن به لاولى الامر من الاجتهاد على أساس نصوصه وقواعده ، فكان أعلم الناس وأفقههم به وأصحهم دعوة اليه بالعلم والعمل ، والحكم بين الناس بالحق والعدل ، أولئك الأميون الذين تلقوه عن ذلك النبي الأمي صلوات اللّه وسلامه عليه ، وهم خلفاؤه وأصحابه ( رض ) فهذه احدى معجزاته إذ لو كان هذا الدين وضعا بشريا لكان كسائر العلوم والاعمال البشرية التي تظهر مبادئها الأولى ناقصة ثم تنمي ( وفي لغة ضعيفة اشتهرت تنمو ) وتتكامل بالتدريج ، فهذه سنة من السنن المطردة في علوم البشر