الشيخ محمد رشيد رضا
442
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( المسألة الثانية ) من البراهين العلمية الثابتة بالشواهد العملية ، على أن هذا الدين من عند اللّه تعالى ، ان المسلمين قد اهتدوا بارشاده إلى البحث والنظر في جميع أمور العالم السماوي والأرضي ولا سيما نوع الانسان وعلومه وفلسفته واديانه ونظمه وتشريعه وآداب شعوبه فازدادوا بكل من ذلك علما بحقية المسألة الأولى ، وظهر للراسخين في علمه ان ما أجمع عليه أولئك الأميون الأولون أو أكثرهم هو الحق ، وأن كل ما خالف نصوصه القطعية من العقائد والآراء والافكار البشرية فهو باطل ، ومنه جميع نظريات المتكلمين العقلية ، وكشف فلسفة الصوفية الروحية ، وإن المصلحة للمسلمين وللبشر كافة أن يقصروا هداية الدين على نصوص القرآن المنزلة ، وما بينه من سنة الرسول المتبعة ، وسيرة خلفائه وجمهور عترته وأصحابه قبل فشو الابتداع والتفرق في الملة ، ثم ما أجمع عليه علماء الأمصار من مجتهدي الأمة ، وان يعذر بعضهم بعضا فيما لا يخرج عن هذه الأصول من المسائل غير القطعية في الدين فلا يجعلوه سببا للتفرق والشقاق ، بالتعصب للمذاهب والشيع والأحزاب ، لئلا يكونوا ممن قال اللّه تعالى لرسوله فيهم ( 6 : 159 إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) فاستحقوا وعيد قوله ( 6 : 65 قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ، انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ) وقوله ( 3 : 105 وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) ( المسألة الثالثة ) ان البدع التي فرقت الأمة في أصول دينها وجعلتها شيعا تؤثر كل شيعة اتباع زعمائها ومذاهبها على كتاب اللّه وسنة رسوله وهدي سلفه الصالح بالتأويل ، من حيث تدعي أن أئمتها أعلم من مخالفيهم بتأويل الكتاب والحديث ، وأن بعضهم مؤيد بالكشف وبعضهم بالعصمة ، فهم أحق بأن يقلدوا ويتبعوا ، ولكن الأعلم انما يعلم بالدليل لا بالتقليد ، وإنما تفهم النصوص بقواعد اللغة والسنة العملية لا بما اصطلحوا عليه من التأويل ، ولهذه البدع المفرقة ثلاث مثارات من أركان حضارة الأمم الثلاثة وهي السياسة والسلطان ، والعلم العقلي والعرفان ،