الشيخ محمد رشيد رضا
417
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وجل ، وما تقتضيه من عمل ، وعبر عن إيمانهم بالفعل الماضي لبيان أنه كان كاملا باليقين ، لم يزلزله شك ولم يحصل بالتدريج ، وعن تقواهم بالفعل الذي يدل على الحال والاستقبال لان التقوى تتجدد دائما بحسب متعلقاتها : من كسب وحرب ، وشهوة وغضب ، والمعنى الجامع فيها انها اتقاء كل ما لا يرضي اللّه تعالى من ترك واجب ومندوب ، وفعل محرم ومكروه ، واتقاء مخالفة سنن اللّه تعالى في خلقه من أسباب الصحة والقوة والنصر والعزة وسيادة الأمة . وقد فصلنا هذا في مواضع من أهمها تفسير قوله تعالى ( 8 : 29 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) * * * وأما البشرى التي زفها إليهم فهي قوله لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ البشرى الخبر السار الذي تنبسط به بشرة الوجه فيتهلل وتبرق أساريره . وهذه البشرى مبينة في مواضع من كتاب اللّه تعالى ، وقد يراد بها متعلقها الذي يبشرون به ولم يذكر هنا ليشمل كل ما بشروا به في كتاب اللّه تعالى وعلى لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأما البشرى في الحياة الدنيا فأهمها البشارة بالنصر ، وبحسن العاقبة في كل أمر ، وباستخلافهم في الأرض ، ما أقاموا شرع اللّه وسننه ، ونصروا دينه وأعلوا كلمته ، وأما في الآخرة فمن أكملها وأجمعها لمعاني الآية لأكملهم قوله ( 41 : 30 إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ 31 نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ، وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ 32 نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ) المشهور في تنزل الملائكة عليهم أنه يكون عند البعث ، وكذا عند الموت ، ولا مانع من شموله لما في الدنيا من تثبيت قلوبهم ، وتقوية إلهام الحق والخير فيهم ، كما قال تعالى في الملائكة الذين أمد بهم أصحاب رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة بدر ( 8 : 10 وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ) الآية ثم قال ( 12 إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) وقد يكون منه إلهام الحق والخير كما ورد في حديث ابن مسعود مرفوعا عند « تفسير القرآن الحكيم » « 53 » « الجزء الحادي عشر »